595 · ص493 · ج2
مخلوق حادث بعد أن لم يكن، ومُحالٌ أن يكون حدَثَ بلا مُحدِث، أو يكون هو المحدِثَ لنفسه. فلابد له من مُوجِد أوجده ١ ليس هو كمثله. وهذا الإقرار والشهادة ٢ فطرةٌ فُطِروا عليها ليست بمكتسَبة.
وهذه الآية وهي قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهم} ٣ [الأعراف: ١٧٢]. مطابقةٌ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كلُّ مولود يولد على الفطرة» ٤. ولقوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ} [الروم: ٣٠ - ٣١].
ومن المفسرين من لم يذكر إلا هذا القول فقط كالزمخشري ٥. ومنهم من لم يذكر إلا القول الأول فقط، ومنهم من حَكَى القولين كابن الجوزيِّ ٦، والواحديِّ ٧، والماوردي ٨، وغيرهم.
١ (ط): «يوجده».
٢ ما عدا (ب، ج، ن): «المشاهدة».
٣ سبق التنبيه غير مرة على أن الآية وردت كذا في النسخ على قراءة أبي عمرو. وبها قرأ نافع وابن عامر أيضًا.
٤ أخرجه البخاري (١٣٨٥) من حديث أبي هريرة. وبلفظ آخر عنه في البخاري (١٣٥٨) ومسلم (٢٦٥٨).
٥ الكشاف (٢/ ١٧٦).
٦ زاد المسير (٣/ ٢٨٣ ــ ٢٨٦).
٧ البسيط (٩/ ٤٤٣ ــ ٤٥٨).
٨ النكت والعيون (٢/ ٢٧٧ ــ ٢٧٩).
596 · ص494 · ج2
قال الحسن بن يحيى الجرجاني ١: فإن اعترض معترِضٌ في هذا الفصل بحديث يُروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن الله مسَح [١١٠ أ] ظهرَ آدم، فأخرج منه ذريته، وأخذ عليهم العهد، ثم ردَّهم في ظهره» ٢، وقال: إنَّ هذا مانع من جواز التأويل الذي ذهبتَ إليه، لامتناع ردِّهم في الظَّهر إن كان أخذ الميثاق عليهم بعد البلوغ وتمام العقل.
قيل له: إنَّ معنى «ثم ردَّهم في ظهره»: ثم يردُّهم في ظهره ٣، كما قلنا: إن معنى {أَخَذَ رَبُّكَ}: يأخذ ربك. فيكون معناه: ثم يردُّهم في ظهره بوفاتهم، لأنهم إذا ماتوا رُدُّوا إلى الأرض للدفن، وآدمُ خلق منها ورُدَّ فيها، فإذا رُدُّوا فيها فقد رُدُّوا في آدم وفي ظهره ٤؛ إذ كان آدمُ خُلِق منها وفيها رُدَّ، وبعضُ الشيء من الشيء. وفيما ذهبتم إليه من ٥ تأويل هذا الحديث على ظاهره تفاوتٌ بينه وبين ما جاء به القرآن في هذا المعنى، إلا أن يُرَدَّ تأويلُه إلى ما ذكرناه؛ لأنه عزَّ وجلَّ قال: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهمْ} ٦ [الأعراف: ١٧٢]. ولم يذكر آدمَ في القصة، إنما هو هاهنا مضاف إليه لتعريف ذريته أنهم منه وأولادُه. وفي الحديث: أنه مسح ظهرَ آدم، فلا يمكن ردُّ ما جاء في القرآن وما جاء في الحديث إلى الاتِّفاق إلا بالتأويل
١ صاحب «نظم القرآن»، وقد سبقت ترجمته.
٢ سبق في (ص ٤٨٦).
٣ «ثم يردهم في ظهره» ساقط من (أ، ط، غ).
٤ (ب، ج): «ظهر آدم».
٥ ساقط من (ب، ج).
٦ انظر التعليق في الصفحة السابقة.