14
فإن القوم قد يحصل لأحدهم هذا المشهد ، مشهد الفنــاء
•
في توحيد الربوبية ، فلا يشهد فرقا مادام في هذا المشهد وقد يغيب عنه الإحساس بما يوجب الفرق مدة من الزمان ،
فيظن هذا الفناء مقاماً محموداً ، ويجعله إما غاية وإما لازما للسالكين . وهذا غلط ، فإن عدم الفرق بين ما ينعم و [ ما ] يعذب أحيانا ، هو مثل عدم الفرق بين النوم والنسيان ، والغفلة والاشتغال بشيء عن آخر ، وهو لايزيل الفرق الثابت في نفس الأمر ، ولا يزيل الإحساس به ، إذ وجد سببه. والواحد من هؤلاء لا بد أن يجوع أو يعطش فلايسوي بين الخبز والشراب ، وبين الملح الأجاج والعذب الفرات ، بل لا بد أن يفرق بينهما ، ويقول : هذا طيب ، وهذا ليس بطيب ، وهذا هو الفرق بين كل ما أمر الله ورسوله به ونهى عنه . فانه أمر بالطيب من القول والعمل ، ونهى عن الخبيث ، وإذا عرف أن المراد بالفرق هو أن من اللذة ينفع ويوجب والنعيم ، ومنها مايضر ويوجب الألم والعذاب ، فبعض هذه الأمور تدرك بالحس وبعضها يدركه الناس بعقولهم الأمور الدنيا ، فيعرفون ما يجلب لهم منفعة في الدنيا ، وما يجلب لهم مضرة ، وهذا من العقل الذي ميز به الإنسان ، فإنه يدرك من عواقب الأفعال مالا
الأمور
ما
يدركه الحس .
-
- 18 -