19
مثله ، ولو امتنع من بيعه إلا بأكثر من سعره لم يستحق إلا سعره(۱) ، ومن هنا يتبين أن السعر منه ما هو ظلم لا يجوز ، ومنه ما هو عدل جائز ، فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه أو منعهم مما أباحه الله لهم فهو حرام ، وإذا تضمّن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل ، ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ زيادة على عوض المثل فهو جائز بل واجب
فأما الأول : فمثل ما روى « أنس » قال : « غلا السعر على عهد رسول الله ، فقالوا : يا رسول الله لو سعرت ، فقال : إن الله هو القابض الباسط الرازق المسعر ، وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال » رواه أبو داود والترمذي وصححه (۲) .
فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم ، وقد ارتفع السعر إما لقلة الشيء ، وإما لكثرة الخلق ، فهذا إلى الله ، فإلزام الخلق أن يبيعوا بقيمة بعينها إكراه بغير حق
وأما الثاني : فمثل أن يمتنع أرباب السلع من بيعها مع ضرورة الناس إليها إلا بزيادة على القيمة المعروفة ، فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل ، ولا معنى للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل ، فيجب أن يلتزموا بما ألزمهم الله به .
وأبلغ من هذا أن يكون الناس قد التزموا أن لا يبيع الطعام أو غيره إلا أناس معروفون ، لا تباع تلك السلع إلا لهم ثم يبيعونها هم فلو باع غيرهم ذلك منع ، إما ظلماً لوظيفة تؤخذ من البائع أو غير ظلم لما في ذلك من الفساد ، فههنا يجب التسعير عليهم بحيث لا يبيعون إلا بقيمة المثل ولا يشترون أموال الناس إلا بقيمة المثل بلا تردد في ذلك عند أحد [من] العلماء ، لأنه إذا كان قد منع غيرهم أن يبيع ذلك النوع أو يشتريه فلو سوغ لهم أن يبيعوا بما اختاروا أو يشتروا بما اختاروا كان
(۱) قال الإمام النووي : أجمع العلماء على أنه لو كان عند إنسان طعام اضطر الناس إليه ولم يجدوا غيره أجبر على بيعه دفعاً للضرر عن الناس ( المجموع ٤٨/١٣ ) . (۲) رواه الترمذي في سننه ( ٥٣/٦ ) ، وأبو داود في سننه ( ۳۲٠/٩ ) ، والدارمي في سننه ( ٢ / ١٦٥ ) ، وابن ماجة في سننه ( ٧٤۱/۲ ) ، والإمام أحمد في مسنده ( ١٥٦/٣ ) .
۲۲