5
1
أما بعد . فإن الله سبحانه وتعالى لم يخلق خلقه عبثا ولم يتركهم سدى ، بل خلقهم الأمر عظيم وخطب جسم ، عرض على السموات والأرض والجبال فأبين وأشفقن منه إشفاقا ووجلا ، وقلن ربنا إن أمرتنا فسمعا وطاعة، وإن خير تنافعا فيتك تريد لا نبغى بها بدلا ، وحمله الإنسان على ضعفه وعجزه عن حمله ، وباء به على ظلمه وجهله ، فألقى أكثر الناس الحمل عن ظهورهم لشدة مؤنته عليهم وثقله ، فصحبوا الدنيا صحبة الأنعام السائمة ، لا ينظرون في معرفة موجدهم وحقة عليهم ، ولا في المراد من إيجادهم وإخراجهم إلى هذه الدار التى هى طريق ومعبر إلى دار القرار ، ولا يتفكرون في قلة مقامهم في الدنيا الفانية ، وسرعة رحيلهم إلى الآخرة الباقية، فقد ملكهم باعث الحس، وغاب عنهم داعى العقل ، وشملتهم الغفلة وغرتهم الباطلة ، والخدع الكاذبة ، فيدعهم طول الأمل ، وران على قلوبهم سوء العمل ، فهمهم في لذات الدنيا ، وشهوات النفوس كيف حصلت حصلوها ، ومن أى وجه لاحت أخذوها ، إذا بدا لهم حظ من الدنيا وآخرتهم طاروا إليه زرافات ووحدانا ، وإذا عرض لهم عاجل من الدنيا لم يؤثروا عليه ثوابا من الله ولا رضوانا : ( يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ) (۱) ، ( ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون ) (۲) .
الأماني
والعجب كل العجب من غفلة لحظاته معدودة عليه ، وكل نفس من
من
أنفاسه لا قيمة له إذا ذهب لم يرجع إليه ، فمطايا الليل والنهار تسرع به ولا يتفكر إلى أين يحمل ، ويسار به أعظم من سير البريد ، ولا يدرى إلى أى الدارين ينقل ، فإذا نزل به الموت اشتد قلقه الخراب ذاته وذهاب لذاته . لا لما سبق من جناياته ، وسلف من تفريطه ، حيث لم يقدم لحيانه . فإذا خطرت له خطرة عارضة لما خلق له دفعها باعتماده على العفو ، وقال : قد أنبئنا أنه هو الغفور الرحيم ، وكأنه لم ينبأ
أن عذابه هو العذاب الأليم .
(۱) سورة الروم آية ٧ . (۲) سورة الحشر آية ١٩