← المكتبة ▭▭ صفحتان
الوابل الصيب من الكلم الطيب - ابن القيم - ت إبراهيم - ط دار الحديث
ابن قيم الجوزية كتب ابن القيم
A− A+
8
ضرورته إلى ربه عز وجل ، وكمال فاقته وفقره إليه ، وأن فى كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فاقة تامة، وضرورة كاملة إلى ربه تبارك وتعالى ، وأنه إن تخلى عنه طرفه عين هلك وخسر خسارة لا تجبر ، ، إلا أن يعود الله تعالى عليه ويتدركه برحمته ، ولا طريق إلى الله تعالى أقرب من العبودية ، ولا حجاب أغلظ من الدعوى . والعبودية مدارها على قاعدتين هما أصلها : حب كامل ، وذل تام. ومنشأ هذين الأصلين عن ذينك الأصلين المتقدمين وهما : مشاهدة المنة التى تورث المحبة ومطالعة عيب النفس والعمل التي تورث الذل التام ، وإذا كان العبد قد بنى سلوكه إلى الله تعالى على هذين الأصلين لم يظفر عدوه به إلا على غرة وغيلة ، وما أسرع ما ينعشه الله عز وجل ويجبره ويتداركه برحمته فصل ) إستقامة القلب والجوارح ) وإنما يستقيم له هذا باستقامة قلبه وجوارحه . فاستقامة القلب شيئين : الله أحدهما : أن تكون محبة الله تعالى تتقدم عنده على جميع المحـاب . فإذا تعارض حب تعالى وحب غيره سبق حب الله تعالى حب ماسواه فرتب على ذلك مقتضاه . وما أسهل هذا بالدعوى وأصعبه بالفعل ، فعند الامتحان ، يكرم المرء أو يهان وما أكثر ما يقدم العبد ما يحبه هو ويهواه أو يحبه كبيره وأميره وشيوخه وأهله على ما يحبه الله تعالى ، فهذا لم تتقدم محبة الله تعالى في قلبه جميع المحاب ، ولا كانت هى الملكة المؤمرة عليها ، وسنة الله تعالى فين هذا شأنه أن ينكد عليه محابه وينغصها عليه ولا ينال شيئاً منها إلا بتكدر وتنغيص ، جزاء له على إيثار هواه وهوى من يعظمه من الخلق أو يحبه على محبة الله تعالى . وقد قضى الله تعالى قضاء لا يرد ولا يدفع أن من أحب شيئاً سواه عذب به ولابد ، وأن من خاف غيره سلط عليه ، وأن من اشتغل بشيء غيره كان شؤماً عليه ، ومن آثره عليه فلم يبارك فيه ، ومن أرضى غيره بسخطه أسخطه عليه ولابد الأمر الثانى : الذى يستقيم به القلب تعظيم الأمر والنهي، وهو ناشئ عن تعظيم الأمر الناهي ، فإن الله تعالى ذم من لا يعظم أمره ونهيه ، قال سبحانه وتعالى ( ما لكم لا ترجون لله وقاراً ) (۷) قالوا في تفسيرها : مالكم لا تخافون الله تعالى عظمة ( ۷ ) سورة نوح / ١٣ A