← المكتبة ▭▭ صفحتان
الوابل الصيب من الكلم الطيب - ابن القيم - ت إبراهيم - ط دار الحديث
ابن قيم الجوزية كتب ابن القيم
A− A+
9
وما أحسن ما قال شيخ الإسلام فى تعظيم الأمر والنهى هو أن لا يعارضنا بترخص جاف ولا يعرضنا لتشديد غال ، ولا يحملنا على علة توهن الأنقياد ومعنى كلامه أن أول مراتب تعظيم الحق عز وجل تعظيم أمره ونهيه ، وذلك لأن المؤمن يعرف ربه عز وجل برسالته التي أرسل بها رسول الله الا الله إلى كافة الناس ومقتضاها الانقيــــاد ، لأمره ونهيه ، وإما يكون ذلك بتعظيم أمر الله عز وجل واتباعه ، وتعظيم نهيه واجتنـابـه فيكون تعظيم المؤمن لأمر الله تعالى ونهيه دالا على تعظيمه لصاحب الأمر والنهي ، ويكون بحسب هذا التعظيم من الأبرار المشهود لهم بالإيمان والتصديق وصحة العقيدة والبراءة من النفاق الأكبر . فإن الرجل قد يتعاطى فعل الأمر لنظر الخلق ، وطلب المنزلة والجاه عندهم ، ويتقى المناهى خشية سقوطه من أعينهم، وخشية العقوبات الدنيوية من الحدود التي رتبها الشارع على المناهي. فهذا ليس فعله وتركه صادراً عن تعظيم الأمر والنهى ولا تعظيم الأمر الربح قطعاً - وكثير من العلماء يقول لا صلاة له (۸) - 6 الناهي ، فعلامة التعظيم للأوامر رعاية أوقاتها وحدودها والتفتيش على أركانها وواجبها وكمالها والحرص على تحينها في أوقاتها ، والمسارعة إليها عند وجوبها والحزن والكآبة والأسف عند فوت حق من حقوقها ، كمن يحزن على فوت الجماعة ويعلم أنه لو تقبلت منه صلاته منفرداً فإنـه قـد فاته سبعة وعشرون ضعفاً ، ولو أن رجلا يعانى البيع والشراء - تفوته صفقة واحدة في بلده من غير سفر ولا مشقة ( قيمتها ( سبعة وعشرون ديناراً لأكل يديه ندماً وأسفاً . فكيف وكل ضعف مما تضاعف به وصلاة الجماعة خير من ألف ألف وما شاء الله تعالى ، فإذا فوت العبد عليـه هـذا وهو بارد القلب فارغ من هذه المصيبة غير مرتاع لها ، فهذا من عدم تعظيم أمر الله تعالى فى قلبه وكذلك إذا فاته أول الوقت الذى هو رضوان الله تعالى ، أو فاته الصف الأول الذى يصلى الله وملائكته على مـيـامنـه ، ولو يعلم العبد فضيلته لجالد عليه ولكانت قرعة . وكذلك فوت الجمع الكثير الذي تضاعف الصلاة يكثرته وقلته ، كلما كثر الجمع كان أحب إلى الله عز وجل ، وكلما بعدت الخطا كانت خطوة تحت خطيئة ، وأخرى ترفع درجة ، وكذلك فوت الخشوع في الصلاة وحضور القلب فيها بين يدى الرب تبارك وتعالى الذى هو روحها ولبها ، فصلاة بلا خشوع ولا حضور کبدن میت لا روح فيه ، أفلا العبد أن يستحى يهدى إلى مخلوق مثله عبداً ميتاً أو جارية ميتة ؟ فما ظن هذا العبد أن تقع تلك الهدية ممن قصده بها من ملك أو أمير أو غيره ؟ فهكذا سواء الصلاة الخالية عن الخشوع والحضور وجميع الهمة على الله تعالى فيها بمنزلة هذا العبد – أو الأمة - الميت الذي يريد إهداءه إلى بعض الملوك ولهذا لا يقبلها الله تعالى منه وإن أسقطت الفرض في ( ۸ ) انظر كتاب . الصلاة وحكم تاركها » للمؤلف رحمه الله بتحقيقنا – طبعة دار الحديث