6
خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه . وهؤلاء هم عباده الذين ليس لعدوه عليهم سلطان ، قال تعالى ( إن عبادى ليس لك عليهم سلطان ) (۱)
ولما علم عدو الله إبليس أن الله تعالى لا يسلم عباده إليه ولا يسلطه عليهم قال ( عزتك لأغوينهم أجمعين . إلا عبادك منهم المخلصين ) (٣) . وقال تعالى ( ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين . وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها فى شك ) (٤) فلم يجعل لعدوه سلطاناً على عباده المؤمنين ، فإنهم فى حرزه وكلاءته وحفظه وتحت كنفه ، وإن اغتال عدوه أحدهم كما يغتال اللص الرجل الغافل فهذا لابد منه ، لأن العبد قد بلى بالغفلة والشهوة والغضب ، ودخوله على العبد من هذه الأبواب الثلاثة ولو احترز العبد ما احترز ، فلا بد له من غفلة ولابد له من شهوة ولا بد له من غضب ، وقد كان آدم أبو البشر صلى الله عليه وسلم من أحلم الخلـق وأرجحهم عقلا وأثبتهم ، ومع هذا فلم يزل به عدو الله حتى أوقعه فيما أوقعه فيه ، فما الظن بفراسة الحلم ومن عقله فى جنب عقل أبيه كتفله في بحر ؟ ولكن عـدو الله لا يخلص إلى المؤمن إلا غيلة على غرة وغفلة ، فيوقعه ويظن أنه لا يستقبل ربه عز وجل بعدها ، وأن تلك الواقعة قد اجتاحته وأهلكته ، وفضل الله تعالى ورحمته وعفوه ومغفرته وراء ذلك كله
فإذا أراد الله بعبده خيراً فتح له من أبواب ( التوبه ( والندم والانكسار والذل والافتقار والاستعانة به وصدق اللجأ إليه ودوام التضرع والدعاء والتقرب إليه ما أمكن من الحسنات ماتكون تلك السيئة به سبب رحمته ، حتى يقول عدو الله : ياليتنى تركته ولم أوقعه
خائفاً منه
وهذا معنى قول بعض السلف : إن العبد ليعمل الذنب يدخل به الجنة ، ويعمل الحسنة يدخل بها النار . قالوا : كيف ؟ قال . يعمل الذنب فلا يزال نصب عينيه مشفقاً وجلا باكياً نادماً مستحياً من ربه تعالى ناكس الرأس بين يديه منكسر القلب له ، فيكون ذلك الذنب أنفع له من طاعات كثيرة بما ترتب عليه من هذه الأمور التي بها سعادة العبد
(١ ) سورة الزمر / ٣٦ .
(۲) سورة الحجر / ٤٢
( ۳ ) سورة ص / ۸۲ .
( ٤ ) سورة سبأ / ٢١ .
*
) كلاءته : حفظه وحراسته
**
كنفه : رحمته وبره .