← المكتبة ▭▭ صفحتان
الوابل الصيب من الكلم الطيب - ابن القيم - ت إبراهيم - ط دار الحديث
ابن قيم الجوزية كتب ابن القيم
A− A+
5
بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم : الله سبحانه وتعالى المسئول المرجو الإجابة أن يتولاكم فى الدنيا والآخرة ، وأن يسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ، وأن يجعلكم ممن إذا أنعم عليه شكر ، وإذا ابتلى صبر ، وإذا أذنب استغفر ، فإن هذه الأمور الثلاثة عنوان سعادة العبـد ، وعلامة فلاحه في دنياه وأخراه ، ولا ينفك عبد عنها أبداً، فإن العبد دائم التقلب بين هذه الأطباق الثلاثة ( أطباق السعادة ) ( الأول ( : نعم من الله تعالى تترادف عليه ، فقيدها ( الشكر ) . ، وهو مبنى على ثلاثة أركان الاعتراف بها باطناً، والتحدث بها ظاهراً ، وتصريفها في مرضاة وليها ومـديها ومعطيها . فإذا فعل ذلك فقد شكرها مع تقصيره في شكرها ( الثاني ) : محن من الله تعالى يبتليه بها، ففرضه فيها ( الصبر ) والتسلى . والصبر حبس النفس عن التسخط بالمقدور ، وحبس اللسان عن الشكوى ، وحبس الجوارح عن المعصية كاللطم وشق الثياب ونتف الشعر ونحوه . فمدار الصبر على هذه الأركان الثلاثة ، فإذا قام بـه العبد كما ينبغي انقلبت المحنة في حقه منحة ، واستحالت البلية عطية وصار المكروه محبوباً . فإن الله سبحانه وتعالى لم يبتليه ليهلكه ، وإنما ابتلاه ليمتحن صبره وعبوديته ، فإن الله تعالى على البعد عبودية في الضراء ، كما له عبودية في السراء، ولـه عبودية عليه فيما يكره ، كما له عبودية فيا يحب ، وأكثر الخلق يعطون العبودية ما يحبون والشأن في إعطاء العبودية في المكاره . ففيه تفاوت مراتب العباد . وبحسبه كانت منازلهم عند الله تعالى ، فالوضوء بالماء البارد في شدة الحر عبودية ، ومباشرة زوجته الحسناء التي يحبها عبودية ، ونفقته عليها وعلى عياله ونفسه عبودية . هذا والوضوء بالماء البارد في شدة البرد عبودية ، وتركه المعصية التي اشتدت دواعى نفسه إليها من غير خوف من الناس عبودية ، ونفقته فى الشراء عبودية ، ولكن فرق عظيم بين العبوديتين فمن كان عبداً الله فى الحالتين قائماً بحقه فى المكروه والمحبوب فذلك الذي تناوله قوله تعالى أليس الله بكاف عبده ) ؟ وفى القراءة الأخرى عباده ) ، وهما سواء لأن المفرد مضاف فيعم عموم الجمع ، فالكفاية التامة مع العبودية التامة ، والناقصة مع الناقصة . فمن وجد 6