8
٨
تفسير العى والشاهد عليه
الحبوب كلها علي تنوعها واختلاف منافعها وصفاتها واشكالها ومقاديرها : ثم أفرد النخل لما فيه من موضع العبرة والدلالة التي لا تخفى علي المتأمل ( وأحيا به الارض بعد موتها ) ثم قال ( كذلك الخروج ) أي مثل هذا الاخراج من الارض الفواكه والمار والأقوات والحبوب خروجكم من الارض بعد ماغيتم فيها : وقد ذكرنا هذا القياس وأمثاله من المقاييس الواقعة في القرآن في كتابنا المعالم وبينا بعض مافيها من الاسرار والعبر ثم انتقل سبحانه الي تقرير النبوة باحسن تقرير وأوجر لفظ وأبعده عن كل شبهة وشك فاخبر أنه ارسل الى قوم نوح وعاد وعمود وقوم لوط وقوم فرعون رسلا فكذبوهم فاهلكهم بأنواع الهلاك وصدق فيهم وعيده الذي أوعدتهم به رسله ان لم يؤمنوا وهذا تقرير لنبوتهم ولنبوة من أخبر بذلك عنهم من غير أن يتعلم ذلك من معلم ولا قرأه في كتاب بل أخبر به إخباراً مفصلا مطابقاً لما عند أهل الكتاب ولا يرد على هذا الاسؤال البهت والمكابرة على جحد الضروريات بانه لم يكن شيء من ذلك أو أن حوادث الدهر ونكياته أصابتهم كما أصابت غيرهم وصاحب هذا السؤال يعلم من نفسه أنه باهت مباهت جاحد لما شهد به العيان وتناقلته القرون قرناً بعد قرن فانكاره بمنزلة انكار وجود المشهورين من الملوك والعلماء والبلاد النائية : ثم عاد سبحانه الي تقرير المعاد بقوله ( أفعيينا بالخلق الأول ) يقال لكل من عجز عن شيء عي به وعيى فلان بهذا الأمر قال الشاعر عيوا بأمرهم كما علت ببيضتها الحمامة
.
ومنه قوله تعالى ( ولم يعى بخلقهن ) قال ابن عباس يريد انعجزنا : وكذلك قال مقاتل : قلت هذا تفسير بلازم اللفظة وحقيقتها أعم من ذلك فان العرب تقول أعياني أن اعرف كذا وعييت به اذا لم تهتد لوجهه ولم تقدر على معرفته وتحصيله فتقول أعيانى دواؤك اذا لم تهتد له ولم تقف عليه : ولازم هذا المعنى العجز عنه والبيت الذي استشهدوا به شاهد لهذا المعنى فان الحمامة لم تعجز عن