← المكتبة ▭▭ صفحتان
الطرق الحكمية في السياسة الشرعية - ابن القيم الجوزية - ت عيون - ط دار البيان
شمس الدين ابو عبد الله محمد بن ابي بكر الزرعي الدمشقي ابن القيم الجوزية كتب ابن القيم
A− A+
13
فإنه كان رأياً اعتمدوا فيه على مصلحة الأمة ، وتحريق علي رضي الله عنه الزنادقة في الأخاديد (٢٤) وقال : لما رأيت الأمر أمراً منكرا أججت ناري ودعوت قنبرا : ، ونفي عمر بن الخطاب رضي الله عنه لنصر بن حجاج . اهـ . وهذا موضع مَزَلَّة أقدام ، ومضلة أفهام ، وهو مقام ضنك ، ومعترك صعب ، فرط فيه طائفة ، فعطلوا الحدود ، وضيعوا الحقوق ، وجرَّأوا أهل الفجور على الفساد ، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد ، محتاجة إلى غيرها ، وسدوا على نفوسهم طرقاً صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له ، وعطلوها ، مع علمهم وعلم غيرهم قطعاً أنها حق مطابق للواقع ، ظناً منهم منافاتها لقواعد الشرع . ولعمر الله إنها لم تناف ما جاء به الرسول الله وإن نافت ما فهموه من شريعته باجتهادهم ، والذي أوجب لهم ذلك : نوع تقصير في معرفة الشريعة ، وتقصير في معرفة الواقع ، وتنزيل أحدهما على الآخر ، فلما رأى ولاة الأمور ذلك ، وأن الناس لا يستقيم لهم أمرهم إلا بأمر وراء ما فهمه هؤلاء من الشريعة ، أحدثوا من أوضاع سياساتهم شراً طويلاً ، وفساداً عريضاً . فتفاقم الأمر ، وتعذر استدراكه ، وعز على العالمين بحقائق الشرع تخليص النفوس من ذلك ، واستنقاذها من تلك المهالك . وأفرطت طائفة أخرى قابلت هذه الطائفة ، فسوغت من ذلك ما ينافي حكم الله ورسوله ، وكلتا الطائفتين أتيت من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله ، وأنزل به كتابه . فإن الله سبحانه أرسل رسله ، وأنزل كتبه ، ليقوم الناس بالقسط ، وهو العدل الذي قامت به الأرض والسموات . فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان ، فثم شرع الله ودينه ، والله سبحانه أعلم وأحكم ، وأعدل أن يخص طرق العدل وأماراته وأعلامه بشيء ، ثم ينفى ما هو أظهر منها وأقوى دلالة ، وأبين أمارة . فلا يجعله منها ، ولا يحكم عند وجودها وقيامها بموجبها ، بل قد بين سبحانه بما شرعه من الطرق ، أن مقصوده إقامة العدل بين عباده ، وقيام الناس بالقسط ، فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين ، وليست مخالفة له (٢٤) البخاري رقم (۳۰۱۷) في الجهاد : باب لا يعذب بعذاب الله ، ورقم (٦۹۲۲) في استتابة المرتدين : باب حكم المرتد والمرتدة ، والترمذي رقم (١٤٥٨) ، وأبو داود رقم (٤٣٥١ ) ، والنسائي ۱۰٤/٧ و ۱۰۵ ، وأحمد ٢١٧/١ و ٢٨.٢ و ۳۲۲ ، من حديث عكرمة أن علياً رضي الله عنه حرق قوماً ، فبلغ ابن عباس فقال : لو كنت أنا لم أحرقهم ، قال : « لا تعذبوا بعذاب الله » ولقتلتهم كما قال النبي الله : « من بدل دينه فاقتلوه ». انظر ما قاله لأن النبي الحافظ في الفتح ( ۲۷۰/۱۲ حول الحديث