← المكتبة
▭▭ صفحتان
إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان - ابن قيم الجوزية - ت الفقي - ط دار المعرفة
A−
A+
6
!
بصلاح القلب صلاح الانسان
وجعل
أما بعد : فإن الله سبحانه لم يخلق خلقه سدى هملا ، بل جعلهم مورداً للتكليف ، ومحلا للأمر والنهى ، وألزمهم فهم ما أرشدهم إليه مجملا ومفصلا ، وقسمهم إلى شقى وسعيد ، لكل واحد من الفريقين منزلا ، وأعطاهم مواد العلم والعمل : من القلب ، والسمع ، والبصر، والجوارح ، نعمة منه وتفضيلا ، فمن استعمل ذلك فى طاعته ، وسلك به طريق معرفته على ما أرشد إليه ولم يبغ عنه عدولا ، فقد قام بشكر ما أوتيه من ذلك ، وسلك به إلى مرضاة الله سبيلا ، ومن استعمله في إرادته وشهواته ولم يرع حق خالقه فيه يخسر إذا سئل عن ذلك ، و يحزن حزناً طويلا. فإنه لا بد من الحساب على حق هذه الأعضاء لقوله تعالى : ( ١٧ : ٣٦» إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً )
ولما كان القلب لهذه الأعضاء كالملك المتصرف في الجنود ، الذي تصدر كلها عن أمره ، . ويستعملها فيما شاء ، فكلها تحت عبوديته وقهره ، وتكتسب منه الاستقامة والزيغ ، وتتبعه فيما يعقده من العزم أو يحله ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : « أَلَا وَإِن فِي الجَسَدِ مُضْغَةٌ إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُله (۱) و ، فهو ملكها ، وهى المنفذة لما يأمرها به ، القابلة لما يأتيها من هديته ، ولا يستقيم لها شيء من أعمالها حتى تصدر عن قصده ونيته .. وهو المسئول عنها كلها ، لأن كل راع مسئول عن رعيته : كان الاهتمام بتصحيحه وتسديده أولى ما اعتمد عليه السالكون . والنظر في أمراضه وعلاجها أهم ما تنسك به الناسكون
3
ولما علم عدو الله إبليس أن المدار على القلب والاعتماد عليه ، أجلب عليه بالوساوس ، وأقبل بوجوه الشهوات إليه ، وزين له من الأحوال والأعمال ما يصده به عن الطريق ، وأمده من أسباب الغى بما يقطعه عن أسباب التوفيق ، ونصب له من المصايد والحبائل ما إن سلم من الوقوع فيها لم يسلم من أن يحصل له بها التعويق ، فلا نجاة من مصايده ومكايده إلا بدوام الاستعانة بالله تعالى ، والتعرض لأسباب مرضاته ، والتجاء القلب إليه وإقباله عليه في حركاته وسكناته ، والتحقق بذل العبودية الذى هو أولى ما تلبس به الإنسان ليحصل له الدخول في ضمان ( « ١٥ : ٤٢ « إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَان ) . فهذه الإضافة هي القاطعة بين العبد وبين الشياطين ، وحصولها سبب تحقيق مقام العبودية لرب العالمين ، وإشعار القلب
(۱) رواه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير رضى الله عنه في حديث « الحلال بين والحرام بين وبينهما
أمور مشتبهات الحديث » .
-
·