← المكتبة
▭▭ صفحتان
إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان - ابن قيم الجوزية - ت الفقي - ط دار المعرفة
A−
A+
26
حياة القلب إنما تكون بايثاره للحق إدراكا ومحبة
٢٥
هدى مِن رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) وقال تعالى فى وسط السورة : ( « ۲ : ۱۷۷» وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّ ذَوِى القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزكاة - إلَى آخِرِ الآية ( وقال تعالى : ( « ۱۰۳ : ۱ » وَالْعَصْرِ « ۲ » ٢ » إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي
خُسْرٍ (۳) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) . فأقسم سبحانه وتعالى بالدهر الذى هو زمن الأعمال الرابحة والخاسرة ، على أن كل واحد في خسر ، إلا من كمل قوته العلمية بالإيمان بالله ، وقوته العملية بالعمل بطاعته . فهذا كماله في نفسه ، ثم كمل غيره بوصيته له بذلك ، وأمره إياه به ، وبملاك ذلك ، وهو الصبر . فكمل نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح ، وكمل غيره بتعليمه إياه ذلك ، ووصيته له بالصبر عليه ، ولهذا قال الشافعي رحمه الله « لو فكر الناس فى سورة : والعصر ، الكفتهم )
وهذا المعنى في القرآن في مواضع كثيرة : يخبر سبحانه أن أهل السعادة هم الذين عرفوا الحق واتبعوه ، وأن أهل الشقاوة هم الذين جهلوا الحق وضلوا عنه ، أو علموه وخالفوه
واتبعوا غيره .
وينبغي أن تعرف أن هاتين القوتين لا تتعطلان في القلب ، بل إن استعمل قوته العلمية في معرفة الحق ،وإدراكه ، وإلا استعملها فى معرفة ما يليق به ويناسبه من الباطل ، وإن استعمل قوته الإرادية العملية فى العمل به ، وإلا استعملها فى ضده ، فالإنسان حارث همام
·
(
بالطبع ، كما قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، « أصدق الأسماء : حارث وهمام (۱) » فالحارث الكاسب العامل ، والهمام المريد ، فإن النفس متحركة بالإرادة . وحركتها الإرادية لها من لوازم ذاتها ، والإرادة تستلزم مراداً يكون مُتَصَوَّراً لها ، متميزاً عندها ، فإن لم تتصور الحق وتطلبه وتريده تصورت الباطل وطلبته ، وأرادته ولا بد . وهذا يتبين بالباب الذي بعده . فنقول :
(۱) روى النسائى وأبو داود - واللفظ له ـ عن أبي وهب الجشمى ، وكانت له صحبة ـ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « تسموا بأسماء الأنبياء ، وأحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن ، وأصدقها حارث وهام ، وأقبحها حرب ومرة »