← المكتبة ▭▭ صفحتان
إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان - ابن قيم الجوزية - ت الفقي - ط دار المعرفة
شمس الدين ابو عبدالله محمد بن ابي بكر بن ايوب بن سعد ابن قيم الجوزية كتب ابن القيم
A− A+
13
۱۲ أثر الفتن في القلوب القلوب شيئاً فشيئاً كمرض عيدان الحصير ، وهى طاقاتها شيئاً فشيئاً ، ، وقسم القلوب عند عرضها عليها إلى قسمين : قلب إذا عرضت عليه فتنة أشربها ، كما يشرب السفنج الماء فتنكت فيه نكتة سوداء ، فلا يزال يشرب كل فتنة تعرض عليه حتى يسود وينتكس وهو معنى قوله « كالكوز مجخيا » أى مكبوبا منكوساً ، فإذا اسود وانتكس عرض له من هاتين الآفتين مرضان خطران متراميان به إلى الهلاك : أحدها : اشتباه المعروف عليه بالمنكر ، فلا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً ، وربما استحكم عليه هذا المرض حتى يعتقد المعروف منكراً والمنكر معروفاً ، والسنة بدعة والبدعة سنة ، والحق باطلا والباطل حقا ، الثاني : تحكيمه هواه على ما جاء به الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، وانقياده للهوى واتباعه له وقلب أبيض قد أشرق فيه نور الإيمان ، وأزهر فيه مصباحه ، فإذا عرضت عليه الفتنة أنكرها وردها ، فازداد نوره وإشراقه وقوته ، والفتن التي تعرض على القلوب هى أسباب مرضها ، وهى فتن الشهوات وفتن الشبهات فتن الغي والضلال ، فتن المعاصى والبدع ، فتن الظلم والجهل . فالأولى توجب فساد القصد والإرادة ، والثانية توجب فساد العلم والاعتقاد وقد قسم الصحابة رضى الله تعالى عنهم القلوب إلى أربعة ، كما صح عن حذيفة بن اليمان القلوب أربعة : قلب أجرد ، فيه سراج يزهر ، فذلك قلب المؤمن ، وقلب أغلف ، فذلك قلب الكافر ، وقلب منكوس ، فذلك قلب المنافق ، عرف ثم أنكر ، وأبصر ثم عمى ، وقلب تمده مادتان : مادة إيمان ، ومادة نفاق ، وهو لما غلب عليه منهما فقوله « قلب أجرد » أى متجرد مما سوى الله ورسوله ، فقد تجرد وسلم مما سوى الحق . و « فيه سراج يزهر » وهو مصباح الإيمان : فأشار بتجرده إلى سلامته من شبهات . (۱) روى الإمام أحمد في المسند ( ج ٣ ص ١٧ ) عن أبي سعيد الخدرى رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « القلوب أربعة : قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر وقلب أغلف مربوط على غلافه وقلب منكوس . وقلب مصفح فأما القلب الأجرد فقلب للمؤمن فيه نوره . وأما القلب الأغلف فقلب الكافرين ، وأما القلب المنكوس فقلب المنافق عرف ثم أنكر . وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق فمثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب ، ومثل النفاق فيه كمثل الفرحة يمدها التقيح والدم ، فأى المادتين غلب على الأخرى غلب عليه » ·