← المكتبة
▭▭ صفحتان
إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان - ابن قيم الجوزية - ت الفقي - ط دار المعرفة
A−
A+
10
القلب الميت والمريض
فصل في القلب الميت
والقلب الثاني : ضد هذا ، وهو القلب الميت الذى لا حياة به ، فهو لا يعرف ربه ، ولا يعبده بأمره وما يحبه ويرضاه ، بل هو واقف مع شهواته ولذاذاته ، ولو كان فيها سخط ربه وغضبه ، فهو لا يبالى إذا فاز بشهوته وحظه ، رضى ربه أم سخط ، فهو متعبد لغير الله : حبا ، وخوفاً ، ورجاء ، ورضا وسخطا ، وتعظيما ، وذلا . إن أحب أحب لهواه ، و إن أبغض أبغض لهواه ، وإن أعطى أعطى لهواه ، وإن منع منع لهواه . فهواه آثر عنده وأحب إليه من رضا مولاه . فالهوى إمامه ، والشهوة قائده ، والجهل سائقه ، والغفلة مركبه . فهو بالفكر في تحصيل أغراضه الدنيوية مغمور ، و بسكرة الهوى وحب العاجلة مخمور . ينادى إلى الله و إلى الدار الآخرة من مكان بعيد ، ولا يستجيب للناصح ، ويتبع كل شيطان مريد . الدنيا تسخطه وترضيه والهوى يُصمه عما سوى الباطل ويُعميه . فهو في الدنيا كما قيل في ليلى : عدو لمن عادت ، وسلم لأهلها ومن قربت ليلى أحب وأقربا فمخالطة صاحب هذا القلب سَقم . ومعاشرته هم . ومجالسته هلاك فصل في القلب المريض
والقلب الثالث : قلب له حياة و به علة . فله مادتان ، تمده هذه مرة ، وهذه أخرى . وهو لما غلب عليه منهما ، فقيه من محبة الله تعالى والإيمان به والإخلاص له ، والتوكل عليه : ما هو مادة حياته ، وفيه من محبة الشهوات وإيثارها والحرص على تحصيلها، والحسد والكبر والعجب ، وحب العلو والفساد في الأرض بالرياسة : ماهو مادة هلاكه وعطبه ، وهو ممتحن بين داعيين : داع يدعوه إلى الله ورسوله والدار الآخرة ، وداع يدعوه إلى العاجلة . وهو إنما يجيب أقربهما منه باباً ، وأدناها إليه جواراً . فالقلب الأول ، حى محبت لين واع ، والثانى يابس ميت ، والثالث مريض ، فإما إلى
السلامة أدنى ، وإما إلى العطب أدنى .
وقد جمع
الله سبحانه بين هذه القلوب الثلاثة في قوله : ( « ٢٢ : ٥٢) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ
قبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِي إِلَّا إِذَا عَلَى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ