9
وهذا الكتاب القيم ( كتاب العيال» للإمام الحافظ ابن أبي الدنيا يعرض صوراً مشرقة لتوجيهات الأئمة من السلف الصالح في القرون الثلاثة الأولى الفاضلة والتي تمثل انطباعاتهم وتأثرهم بالجو الإسلامي العام الذي كان يدور مع الكتاب والسنة حيث دارا فإن هذه التوجيهات التربوية من هؤلاء الأعلام تجسد المنهجية الإسلامية في منظورها إلى العائلة ومقدار أهميتها، وضوابط الحقوق والوجبات لكل فرد فيها .
وهذا السفر الكريم تكمن أهميته في اتجاهين رئيسين؛
أولاهما : أنه يعالج أهم مؤسسة في بناء الأمة أو تسهم في تحديد شخصية المجتمع، وهي العائلة». وهذه المعالجة الشرعية تأتي في المرتبة الثانية من التكليف الرباني. فإن الله - جل ثناؤه - أمرنا بالسعي لاستنقاذ أنفسنا النار، ثم ثنَّى أمره لنا بإنقاذ أهلينا . فقال ـ سبحانه ـ : تَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ) (١) .
6
من
والذي يزيد هذه المعالجة ،أهمية ويعلى من شأنها ؛ أنها محاولة رفيعة من الحافظ ابن أبي الدنيا تدل على علو مرتبته في الابتكار التصنيفي، والتنظيم
6
الموضوعي، فإننا لم نقف على مصنف - بهذا الشمول والسعة - تصدى لمعالجة هذا الموضوع الحيوي الهام، ولا قريباً منه - فيما نعلم -
--
كما أنه يعتبر سبقاً حضارياً هائلاً في بابه. إذ أنه يكشف الستار عن المنهجية التكاملية في معالجة الأسرة في ضوء التوجيهات الاسلامية، في مرحلة مبكرة، مضى عليها أحد عشر قرناً ونصف من الزمان.
أما الأهمية الثانية للكتاب فتكمن في أنه يُعَدُّ - دون ريب - وثيقة تراثية تربوية. فإنّ هذا الكتاب وضعه مصنفه في القرن الثالث الهجري. وقد أتى به من فاتحته إلى خاتمته مسنداً موصولاً فهو كتاب وضع في عصر من أزهى العصور الإسلامية قاطبة في تصنيف السنة وتنظيمها .
(1) سورة التحريم / ٦.