← المكتبة ▭▭ صفحتان
العزلة والإنفراد - ابن أبي الدنيا - ت آل سلمان - ط دار الوطن
عبد الله محمد عبيد البغدادي أبو بكر ابن أبي الدنيا كتب ابن أبي الدنيا
A− A+
17
بالمخالطة، والعزلة قبل تعلم المفروض من العلم عصيان، فمن لم يقدر على التبرز في علوم الشرع والعقل واعتزل ؛ فهو في غاية الخسران، ولذلك قال الربيع بن خثيم: «تفقه ثم اعتزل» (۱)؛ إلا أن المراد ينبغي أن لا تكون إقامة الجاه، والاستكثار بالأصحاب ،والأتباع والتقدم على الأقران، والتقرب عند السلطان، وتولي الأعمال واجتلاب الأموال ؛ لأن هذه الأمور هلاك الدين . علماً وأيضاً : أن يتعلم هو سبب لإثارة الخوف من الله ، لا ما يتوصل به إلى إفحام الأقران والمنافسة والمباهاة ؛ كطلب الكلام الجدلي ، والمواعظ المزخرفة ؛ إذ العزلة خير من تعلم هذه، فإن صودف طالب لله ومتقرب إلى الله ؛ فالاعتزال عنه وكتمان العلم عنه أكبر الكبائر. ولقد صدق أبو سليمان الخطابي (٢)؛ حيث قال: «دع الراغبين في صحبتك والتعلم منك ؛ فليس لك منهم مال ولا جمال، إخوان العلانية أعداء السر، إذا لقوك تملقوك ، وإذا غبت عنهم سلقوك، ومن أتاك كان عليك منهم سلماً رقيباً، وإذا خرج كان عليك خطيباً، أهل نفاق وغيبة وغل وخديعة؛ فلا تغتر باجتماعهم عليك ؛ فما غرضهم العلم بل الجاه والمال، وأن يتخذوك إلى أوطارهم وحماراً في حاجاتهم، إن قصرت في غرض من أغراضهم كانوا أشد أعدائك، ثم يعدون ترددهم عليك دالة عليك، ويرونه حقاً واجباً لديك، ويعرضون عليك أن تبذل عرضك وجاهك ودينك ؛ فتعادي عدوهم، وتنصر قريبهم وخادمهم ووليهم ، وتنتهض لهم سفيها وقد كنت فقيهاً، وتكون لهم تابعاً خسيساً بعد أن كنت متبوعاً رئيساً». وهذا كلام حق وصدق - رحم الله من قاله - ؛ فإنك ترى المدرسين في (۱) انظره وتخريجه : برقم (٣٦) . (۲) نحوه في «العزلة» (ص ۱۱۱ - ۱۱۲). ۱۸