16
إن لم يكن له قوة ولا ناصر، ولكن أذى يعقبه عز ومحبة وتعظيم وثناء عليه منهم ومن المؤمنين ومن رب العالمين، وموافقتهم يعقبها ذُل وبغض له ومقت وذم منهم
ومن المؤمنين ومن رب العالمين .
فالصبر على أذاهم خير وأحسن عاقبةً وأحمد مآلاً، وإن دعت الحاجة إلى خلطتهم في فضول المباحات ؛ فليجتهد أن يقلب ذلك المجلس طاعة لله إن أمكنه ، ويشجع نفسه ويقوي قلبه، ولا يلتفت إلى الوارد الشيطاني القاطع له عن ذلك بأن هذا رياء ومحبة لإظهار علمك وحالك ونحو ذلك؛ فليحاربه، وليستعن بالله، ويؤثر فيهم من الخير ما أمكنه .
فإن أعجزته المقادير عن ذلك ؛ فَلْيَسُلّ قلبه من بينهم كسل الشعرة من العجين، وليكن فيهم حاضراً غائباً، قريباً بعيداً ، نائماً يقظاناً، ينظر إليهم ولا يبصرهم، ويسمع كلامهم ولا يعيه؛ لأنه قد أخذ قلبه من بينهم، ورقى به إلى الملأ الأعلى، يسبح حول العرش مع الأرواح العلوية الزكية، وما أصعب هذا وأشقه على النفوس وإنه ليسير على من يسره الله عليه؛ فبين العبد وبينه أن يصدق الله تبارك وتعالى، ويديم اللجأ إليه، ويلقي نفسه على بابه طريحاً ذليلاً، ولا يعين على هذا إلا محبة صادقة والذكر الدائم بالقلب واللسان، ولا ينال هذا إلا بعدة صالحة، ومادة قوة من الله عز وجل، وعزيمة صادقة، وفراغ من التعلق بغير الله تعالى، والله تعالى أعلم (۱) .
آفات العزلة :
وهي سبع :
الأولى : التعليم والتعلم، وهمــا أعظم العبادات، ولا يتصورا إلا
(۱) مدارج السالكين» (١ / ٤٥٤ - ٤٥٦ - ط الفقي) .
۱۷