13
الثالثة : الخلاص عن الفتن والخصومات وصيانة الدين والنفس عن الخوض فيها والتعرض لأخطارها وقلما تخلو البلاد عنها .
الرابعة : الخلاص من شر الناس من الغيبة وسوء الظن بك والتهمة عليك، والاقتراحات والأطماع الكاذبة التي يعسر الوفاء بها، وربما يسيئون الظن بسبب توهمهم، قال المتنبي (١) :
إذا سَاءَ فِعْلُ المَرْءِ سَاءَتْ ظُنُونُهُ وَصَدَّقَ ما يَعْتَادُهُ مِنْ تَوَهُم وعادى مُحِبيه بِقَوْلِ عُدَاتِهِ وأَصْبَحَ في ليلٍ مِنَ الشَّلِّ مُظْلِم
الخامسة : أن ينقطع طمع الناس عنك وينقطع طمعك عنهم .
أما انقطاع طمعهم عنك ؛ ففيه كل الجدوى؛ لأن رضا الناس غاية لا تُدرك، فاشتغال المرء بصلاح نفسه أولى ، ومن عمم الناس كلهم بالحرمان ؛
رضوا عنه كلهم، ولو خصص ؛ استوحشوا .
وأما انقطاع طمعك عنهم ؛ فإن من نظر إلى زهرة الدنيا وزينتها؛ تحرك
6
حرصه وانبعث بقوة الحرص طمعه ولا يرى الخيبة في أكثر الأطماع فيتأذى به، ومهما اعتزل لم يشاهد ولم يشته ولم يطمع، ومن شاهد زينة الحياة الدنيا ؛ فإما أن يقوى دينه ويقينه فيصبر والصبر أمرُّ مِنَ الصَّبر، ويحتال في طلبها فيهلك في الدنيا بالطمع الذي يخيب في أكثر الأوقات وفي الآخرة بإيثاره متاع الدنيا
6
(۱) في «ديوانه» (٤ / ٢٦٥ - بشرح البرقوقي)، يقول في البيت الأول : «إذا كان فعل المرء سيئاً قبيحاً ؛ ساء ظنه بالناس لسوء ما انطوى عليه، وإذا توهّم في أحد ريبة؛ أسرع إلى تصديق ما توهمه ؛ لما يجد من مثل ذلك في نفسه، وهو كقول الآخر: وما فَسَدَتْ لي - يشهد الله - نيةٌ عليك بل اسـتفسدتني فاتهمتني ويقول في الآخر: ولسوء ظنه يعادي الذين يحبّونه بوشاية أعدائه ؛ فلا يميز صديقه من
عدوّه ؛ إذ يشك في كل أحد، ويصبح في كل أموره حائراً بسبب أنه يصدق ما يتوهمه» .
١٤