← المكتبة ▭▭ صفحتان
العزلة والإنفراد - ابن أبي الدنيا - ت آل سلمان - ط دار الوطن
عبد الله محمد عبيد البغدادي أبو بكر ابن أبي الدنيا كتب ابن أبي الدنيا
A− A+
12
بالمخالطة ويسلم منها في الخلوة، وهي أربعة : أحدها: الغيبة، وهي التي يتفكه بها الناس ويتنقهون؛ فهي طعمتهم ولذتهم ؛ فإن وافقتهم أثمت أو سكت فكنت شريكاً لهم، والمستمع أحد المغتابين، أو أنكرتهم فأبغضوك واغتابوك ؛ فازدادوا غيبة إلى الغيبة، وربما انتهوا إلى الاستخفاف والشتم . وثانيها : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ فهو أصل من أصول الدين ؛ فإن سكت عصيت الله تعالى، وإن أنكرت تعرضت لأنواع من الضرر، وربما يجره طلب الخلاص منها إلى معاصي هي أكثر مما نهي عنه ابتداءً . وثالثها: الرياء ؛ فهو الداء العضال الذي يعسر التحفظ منه، وكل من خالط الناس داراهم ، ومن داراهم راءاهم ، ومن راءاهم وقع فيما وقعوا فيه وهلك كما هلكوا وأقل ما يلزم منه النفاق ؛ فإنك إن خالطت متعاديين ولم تلق كل واحد منهما بوجه توافقه، صرت بغيضاً إليهما جميعاً، وإن جاملتهما كنت شرار الناس، وأقل ما يجب في مخالطة الناس إظهار الشوق والمبالغة فيه، ولا يخلو عن كذب؛ إما في الأصل أو في الزيادة، وإظهار الشفقة بالسؤال عن الأحوال بقولك : كيف أنت وكيف أولادك وأنت فارغ القلب من همومهم، وذلك ذلك نفاق محض . ورابعها مسارقة الطبع لما يشاهد من أخلاق الناس وأعمالهم ؛ فهو داء دفين قلما يتنبه له العقلاء فضلاً عن الغافلين ومن جالس فاسقاً مدة يرى في ، نفسه أنه لا يستثقل الفساد مثل استثقاله قبل ذلك؛ إذ يصير الفساد بكثرة المشاهدة هيناً على الطبع ويسقط استعظامه، فإذا طالت صحبته؛ أوشك أن يتخلل القوة الرادعة، ويذهن الطبع للميل إليه أو دونه، ومن طال مشاهدته للكبائر؛ استحقر الصغائر من نفسه، ثم أثم بالغاً ما بلغ ۱۳