← المكتبة ▭▭ صفحتان
الرقة والبكاء - ابن أبي الدنيا - ت يوسف - ط ابن حزم
عبد الله محمد ابن ابي الدنيا كتب ابن أبي الدنيا
A− A+
6
وخشية الله في سرّك وعلانيتك، يرفقُ قلبكَ، ويجعل الإيمان فيه حيّاً نابضاً، وفاعلاً عاملاً، وحارساً يقظاً، يزن الأمور بموازينها الشرعية، ويقبل أو يرفض على أساس هذا الميزان . لكنني أظن أنك لن تحتاج إلى كبير عناء حتى تبكي! فإن قلبك قد تراكمت عليه أحزان الزمان، وآلم جوانبه قهر المتسلّطين وشماتة الأعداء .. وعندما تشعر بأنك لا تفعل شيئاً، أو أنك لا تقدر أن تفعل شيئاً، تجد أنك بحاجة إلى البكاء .. فلا شيء يخفف من حرقة القلب مثل الدموع . . ! دموع الذكر والخشوع والرهبة والولاء . . ! لله رب العالمين. وهذا عالم حافظ بارع من القرن الثالث الهجري، هو ابن أبي الدنيا، لفت نظره أخبارُ فئة من العلماء العاملين تميزت بقلوب رقيقة جداً، تشتعل فيها الأنوار المبهرة بمجرد تلاوة آية، وتتدفق من عيونها الدموع الغزيرة بمجرد التذكير بعظمة الله، وترتعش أجسامهم وتضطرب أوصالهم بمجرد التذكير بأهوال الآخرة . . فيندفع هو الآخر - وهو ذو قلب رقيق - ليجمع أخبار هذه المدرسة الفريدة .. التي هي في الحقيقة مدرسة كل مسلم، يمكن أن ينتمي إليها في أي وقت يشاء، ما دام الله تعالى يقول : ويخرون للأذقان يبكونَ ويَزيدُهم خُشوعاً [سورة الإسراء، الآية ۱۰۹]، ويقول عز من قائل: حَمَلْنا أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيينَ مِنْ ذرية آدم وممَّنْ مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممَّنْ هَدَيْنا واجتبينا إذا تُتلى عليهم آيات الرحمن خَرُّوا سُجَّداً وبُكياً) [سورة مريم، الآية ٥٨]. ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يلجُ النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضَّرْع ...» رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. ولن تقول بعد الآن إنك ما كنتَ تعرف أن للبكاء قيمة شرعية أو تعبدية .