13
وإياك أن تقول إن للبكاء علاقة بضعف الشخصية، أو إن البكاء لا يليق بأهل الشجاعة والبأس .. فهذا الموضوع مقاله في مواضع أخرى، كالوقوف في وجه الأعداء .. ومقامه عند صهيل الخيول ومقارعة السيوف . . أو ما يشبه هذه المواقف . .
لكن ما نحن بصدده هو خشية الله، والرهبة منه، والخضوع له، وعبادته حق العبودية، وإظهار الذُّل والمسكنة لذي الجلال والجبروت ..
والبكاء - خشية ورهبة - من مظاهر هذه العبودية !
وهذا عبد الله بن الشخير - رضي الله عنه ـ يقول عن سيد الخلق: أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء» (١)
وهذا خليفة رسول الله ، وأحب الناس إليه من أمته، كان لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن (۲). وتقول عائشة رضي الله عنها للرسول عليه الصلاة والسلام في مرض وفاته: إن أبا بكر رجل أسيف (۳)، إنْ يَقُمْ مقامك يبكي فلا يقدر على القراءة (4) . وفي رواية: «إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يُسمع الناس من البكاء» (٥) .
لكن انظر إلى حزمه وقوته وصلابته أيام الردة، ورده على عمر بن
الخطاب رضي الله عنه وغيره عند اختلافهم في الرأي حول ذلك!
والفاروق عمر - رضي الله عنه ـ كان شدته وقوة بأسه - رقيق مع القلب، حاضر الدمعة .. ومواقفه وأخباره في الخشوع والبكاء كثيرة . .
(1)
(۳)
(٤)
رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
حلية الأولياء ١ / ٣٠ ، ومختصر قيام الليل للمروزي ، باختصار المقريزي ، ص ١٤٣ . الأسيف: الرقيق القلب البكاء.
رواه البخاري، كتاب الأذان، باب من أسمع الناس تكبير الإمام ١٧٤/١ . (ه) رواه البخاري، كتاب الأذان، باب إذا بكى الإمام في الصلاة ١٧٦/١.