← المكتبة ▭▭ صفحتان
الجوع - ابن أبي الدنيا - ت يوسف - ط ابن حزم
عبدالله بن محمد ابن أبي الدنيا أبو بكر كتب ابن أبي الدنيا
A− A+
11
نعرف أن أحداً من هؤلاء العبّادِ والزهّادِ لم يقل بتحريم الطيبات، ولا اعتبروا منهجهم هذا واجباً، بل هو تخلُّص من قيود الشهوات الدنيوية، حتى لا تكون النفس أسيرةً لها، بينما خلقها الله تعالى تسخيراً وبلغة نقضي بها هذه الحياة الدنيا ،المؤقتة ونَعْبُر منها إلى الحياة الأبدية. والإمام ابن الجوزي نفسه يذكر أنه لا يَقْدِرُ أن يكون مثل هؤلاء الذين يتقللون من الطعام والشراب بشكل عجيب، ذلك لأنه نشأ في النعيم، وتشكّل على نمط معين من النظام الغذائي الذي يصعب عليه تركه، بل إنَّ تركَهُ يؤثر عليه ويشوش عليه تفكيره .... وهو كما قال رحمه الله ... ومثله قول مالك بن دينار لصاحب له وقد عَزَفَ عن أكلة متواضعة قدَّمَها له، لعدم تقبل نفسه لها: هيهات هيهات، أنت ممَّنْ غُذّي في الماء العذبِ، فَلا تصير في الماء المالح (1)! وقد مرَّ بنا ما قاله الإمام الغزالي في هذا الأمرِ . وأخيراً، فإنَّ الجوع الذي لا يُضعفك عن القيام بواجباتك هو ما يُقصد به. وذكر أنه مندوب اقتداء بالرسول الله الذي كان الغالب عليه عدم الشبع، بل هو لم يشبع من الخبز حتى مات . ففي صحيح مسلم قول عائشة رضي الله عنها: «ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خَبز شعير يومين متتابعين حتى قُبِضَ». وعند البخاري قول أبي هريرة رضي الله عنه: «خرج رسولُ الله من الدنيا ولم يشبع من الخبز الشعير»! . (۱) حلية الأولياء ٣٧٠/٢. ۱۳