25
٢٦
الدر الثمين والمورد المعين
في الابتداء قد ينكر العقل جوازه بل يتوهمه مستحيلاً كما توهمته المعتزلة ، وأما بعـد النظر في وحدانيته تعالى وانفراده بخلق جميع الممكنات وإرادتها بلا واسطة خيراً كان أو شراً وأن الأفعال كلها بالنسبة إليه تعالى سواء لا نفع له في طاعة ولا ضرر ولا نقـص يلحقه جل وعلا بكفر كافر أو معصية عاص ولا حرج عليه ولا حكم لأحد عليه ، فتعلم حينئذ على القطع إنما يترتب منه سبحانه على الكفر من العذاب الأليم وعلـى الطاعة من النعيم المقيم لو عكس تعالى في ذلك أو لم يرتب جل وعلا عليهما شيئاً أصلاً لم يلزم على ذلك بالنظر إلى حقيقة الطاعة والكفر والمعصية نقص ولا محال أصلاً قال في شرح الصغرى : واعلم أن الحركة والسكون للجرم يصح أن يمثل بهما لأقسام الحكم العقلي الثلاثة فالواجب العقلي ثبوت أحدهما لا بعينه للجرم ، والمستحيل نفيهما معا عن الجرم والجائز ثبوت أحدهما بالخصوص للجرم ، واعلم أن معرفة هذه الأقسام الثلاثة وتكريرها وتأنيس القلب بأمثلتها حتى لا يحتاج الفكر في استحضار معانيها إلى كلفة أصلاً مما هو ضروري على كل عاقل يريد أن يفوز بمعرفة الله تعالى ورســلـه عـلـيـهـم الصلاة والسلام ، بل قد قال إمام الحرمين وجماعة : إن معرفة هذه الأقسام الثلاثة هي نفس العقل ، فمن لم يعرف معانيها فليس بعاقل اهـ تنبيهان : الأول : المراد بالواجب المذكور هو الواجب الذاتي ، وأما الواجب العرضي وهو ما يجب لتعلق علم الله تعالى به كتعذيب أبي جهل فإنه بالنظر إلى ذاته جائز يصح في العقل وجوده وعدمه وبالنظر إلى ما أخبر به الصادق المصدوق صلاة الله وسلامه عليه من إرادة الله تعالى لعذابه هو واجب لا يتصور في العقل عدمه ، وإنما لم يقيد الناظم الواجب بكونه ذاتياً لأنه عند الإطلاق لا يحمل إلا على الذاتي ، ولا يحمل على العرضي إلا بالتقييد على أنه لا يبعد أن يكون تساهل في حذف ما يدل عليـه مـن هـذا القسم اعتماداً. على ما أثبته في الثاني ، حيث قال : وما أبى الثبوت عقلاً فيكون معنى قوله هنا فواجب أي عقلاً ولا إشكال بعد هذا في حذفه من قسم الجائز ، لا سيما والتقسيم إنما هو في الحكم العقلي وما وجب أو استحال أو جاز عقلاً فهو الذاتي وكذلك المستحيل المذكور هو أيضاً الذاتي ، وأما المستحيل لعارض منفصل عنه فهو من قبيل الجائز كاستحالة إيمان أبي لهب فإنها لما عرض لإيمانه من إرادة الله تعالى لعدمـه والمراد بالجائز أيضاً ما يصح في العقل وجوده وعدمه أي لا يلزم من هذين التقديرين فيـه محال لذاته ، ويدخل فيه ثلاثة أقسام : الأول : الجائز المقطوع بوجوده كاتصاف الجرم المطلق بخصوص البياض وخصوص الحركة ونحوهما وكالبعث والثواب والعقاب ونحو ذلك ، وهذا هو الواجب العرضي.