15
17-
وما أحلى قوله « فقيه المعانى » : يعنى من أعطاه الله فهما وفقها في معانى القرآن العزيز فهذا هو الذى يحتقر الدنيا عند تلاوته لهذه الآية ونظائرها ، لا الفقيه الذي هو أسير الذوائب المتقيد بلباسه وخدمة أهل الدنيا ؛ ففقيه المعاني محرر عن رق الأشياء . ويحتمل قوله هو الحر معانى أخر ذكرناها في الكبير والحرى بمعنى الحقيق . والحوارى الناصر الخالص في ولائه والياء مشددة خففها ضرورة ، والتحرى القصد مع فكر وتدبر واجتهاد : أى يطلب هو الأخرى ، والهاء فى « له » للقرآن العزيز ، وفى تحريه للقارئ أو للقرآن وحواريا خبر لمكان بعد خبر أو حال من ضمير الحرى العائد على القارئ . ويجوز أن يكون بتحريه متعلقا بحواريا : أى ناصرا له بالتحرى ، أو تكون الباء للمصاحبة : أى مصاحبا للتحرى فيه، هذا كله على أن يكون التقدير : إن كان الحرى بالأوصاف السابقة ، والأولى ألا يتعلق قوله ( بتحريه ) بالحرى كما سبق ، وقوله إلى أن تنبلا - متعلق بالتحرى أو بحواريا ومعنى تنبل مات ، أو أخذ الأنبل فالأنبل أى انتفى ذلك من المعاني التي تحتملها ألفاظ القرآن
۱۰
[ وَإِنَّ كِتَابَ اللَّهِ أَوْتَقُ شَافِعِ وَأَغْنى غناء وَاهِبَا مُتَفَضلا ]
•
هذا حث على التمسك بالقرآن العزيز وتخريه ، والعمل بما فيه ، ليكون القرآن العزيز شافعا له ، كافيه كل ما يحذر ، واهبا له ، متفضلا عليه بما يلقاه من ثواب قراءته والعمل به ، وفى الصحيح عن أبي أمامة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .
اقْرَه وا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَجِي، يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفيعا لأصحابِهِ ، أَقْرَه وَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ ، فَإِنَّهُما الزَّهْرَا وَنِ تَأْنِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُما غَمَامَتَانِ تُحَاجَانِ عَنْ صَاحِبِهِما ) .
الملك )
و في كتاب الترمذي عن أبي هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ) إِنَّ سُورَةٌ في القُرْآنِ ثَلَاثِينَ آيَةٌ شَفَعَتْ لِرَجُلٍ حَتَّى غُفِرَ لَهُ ، وَهِي : تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ قال : هذا حديث حسن، وأوثق من قولهم شيء وثيق : أى محكم متين : وقد وثق بالضم وثاقة ، وإنما وصفه بذلك لأن شفاعته مانعة له من وقوعه فى العذاب، وشفاعة غيره مخرجة له منه : بعد وقوعه فيه والغناء بالفتح والمد الكفاية
وفعله أفعل كقوله تعالى : ( مَا أَغْنَى عَنِّى مَالِيَة ((۱)
فقوله ( وأغنى غنا ) أى وأكفى كفاية : أى كفاية القرآن العزيز أنتم من كفاية غيره، فأغنى في هذا البيت ليس فعلا ماضيا ولكنه أفعل التفضيل ، وبناؤه من غير الثلاثي الهجرد شاذ ، والقياس أن يقال : أشد غناء ، أو أتم غناء ، أو نحو ذلك . ويجوز أن يقال : هو من غنى . إذا استغنى ، أو من غنى بالمكان : إذا أقام به ، فمعناه على الأول أنه غنى من كفاية ما يحذر حامله ملىء بها واسع جوده. وعلى الثانى أنه دائم الكفاية مقيم عليها ، لا يسأم منها ولا يمل ، ولابد من تقدير مضاف محذوف قبل غناء على الوجهين أى وأغنى ذى غناء ، لأن المراد أن القرآن أثرى ذوى الكفايات وأدومهم عليها . وقك أن تقدر مثل ذلك في الوجه الذى بدأنا به : أي والقرآن
أكفى ذوى الكفايات :
(۱) سورة الحاقة آية : ٢٨