8
وإذا اعتبرت افتتاح كل سورة وجدته فى غاية المناسبة لما ختم به السورة قبلها ، ثم هو يخفى تارة ويظهر أخرى ؛ كافتتاح سورة الأنعام بالحمد ، فإنه مناسب لختام سورة المائدة من فصل القضاء ؛ كما قال سبحانه وتعالى : وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾ [ الزمر : ٧٥ ] وكافتتاح سورة فاطر بـ الحَمدُ ﴾ أيضًا ، فإنه مناسب لختام ما قبلها من قوله : وَحِيل بينهم وبينَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِن قبل ﴾ [ سبأ : ٥٤ ] ؛ وكافتتاح سورة الحديد بالتسبيح : [ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ * الحكيم ] ، فإنه مناسب لختام سورة الواقعة من الأمر به [ ﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العظيم ] .
وكافتتاح البقرة بقوله : ( الم ذَلِكَ الْكِتَبُ لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾ إشارة إلى الصِّرَاطَ ) فى قوله : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ؛ كأنهم لما سألوا الهداية إلى الصراط المستقيم ، قيل لهم : ذلك الصراط الذي سألتم الهداية إليه هو الكتاب
وهذا معنى حسن يظهر فيه ارتباط سورة البقرة بالفاتحة (١)
... ومن لطائف سورة الكوثر أنها كالمقابلة للتي قبلها ( الماعون ) ؛ لأن السابقة قد وصف الله فيها المنافق بأمور أربعة : البخل ، وترك الصلاة ، والرياء فيها ، ومنع الزكاة ؛ فذكر هنا فى مقابلة البخل : ﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَك
الكوثر : أى الكثير
وفى مقابلة ترك الصلاة فَصَلِّ أى دم عليها .
وفى مقابلة الرياء لِرَبِّكَ ﴾: أي لرضاه ، لا للناس .
(۱) البرهان في علوم القرآن (۳۸/۱)