29
لا حرية مطلقة للإنسان فى هذه الدنيا ، هكذا تنطق شواهد الفطرة التى جبل الله عليها الإنسان ، وقامت عليها الشواهد في شريعته مما يمارسه نفس ذلك الإنسان الذي يدعى لنفسه الحرية والسيادة والغنى
وهما وسرابًا لا حقيقة له فى الذات ولا فى الصفات ، كما قرر القرآن والنموذج الواضح الذى يمكن الوصول من خلاله إلى هذه النتيجة الفطرية هو : الغنى الذي ساد الناس بزعمه من جبابرة المال وملوك الأرض ، حتى ملك العبيد ، وخضعت له الرقاب ، وجمع الجنود واستولى على الأرض ، فما له من منازع فى أمر ، ولا معقب في رأى مطاع على عزة وامتناع فى أنظار العامة من غير المستبصرين الباحثين عن الحقيقة فى أصل الفطرة .
،
ويقول الإمام أبو زيد الدبوسى ردا على تلك الدعوى العريضة : إن هذا المدعى للحرية والملك ما استقر سلطانه ، وعلا مكانه بفطرته ، وإنما بجنوده ، وبأس عبيده ، لا يستغنى عنهم ساعة لاستدامة ما هو فيه ، فهو يطلبهم بهواهم ، وينيلهم مناهم ، صدقا برغبته فيهم ، والناس يطيعونه رياء لخوفهم منه ، ، أو طمعا فيما في يده ، وهو يطيع هوى من دونه ، وهم يطيعون من فوقهم ، وطاعته لهوى الناس ضرورية ، وطاعة الناس له ليست ضرورية ، لبقاء منزلتهم في أنهم عبيد فقراء مأمورون بلا وال ، غير أن طاعة الناس له بأجسامهم ، وطاعته لأهوائهم بقلبه فاستترت وما ظهرت إلا لأهل البصائر
ويمضى الإمام الدبوسى فى بيان العجيب إلى أن يقول مخاطبا هذا النوع ممن يدعون الحرية والغنى : فعميت وجلست على سرير العبودية للعبيد ، وكان ائتمارك للجنود ، وأحاطت بقلبك المكاره والآفات ، وظننت أنك ملك ، هيهات . ما أنت إلا مأمور حشمك ، والرعية مأمور ملكهم ، غير أن النفس لبست عليك مقام الائتمار بمسارعتك إلى الفعل قبل الأمر
۲۹