28
اختلف حولها الإنسان فى عالم الجسد المادى بما له من مقتضيات الخلاف واللدد في الخصومة ، وتلك الحقيقة العظمى هى الوجود الإلهى ، وإذعان كل الكائنات السلطانه طوعًا أو كرها ، ولذلك ارتبط إثبات البعث بإثبات الوجود الإلهى ، وإثبات الدلائل على شمول علمه وقدرته ، وارتبط كل ذلك بأصل الفطرة على الوجه الذي بيناه في هذه العجالة ، وكان من تلك المسائل شطر كبير من القرآن ، تبعًا لجهل أكثر الناس بها ، ونسيان فطرتهم وهم يحاولون علمها وتشددهم في إنكارها أو الغفلة عنها * وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) لينَ لَهُمُ الَّذِي يَختَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَذِبِينَ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَن تَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (1)
فلما كان الخلاف مركوزا فى الفطرة ، لم يكن هناك سبيل إلى إدراك حقيقة البعث المؤكد للحقيقة الإلهية العظمى إلا حين يرتفع الخلاف بنقل الحياة إلى صورة أخرى ذات فطرة لا خلاف فيها فيتحقق وجود حالة من الحياة مغايرة لتلك الحياة التى يحياها الإنسان فى الدنيا ينكشف فيها الغطاء ، ويحد البصر ، فيرى ما لم يكن يراه من قبل وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِل (۲) ، فلا خلاف ولا تطاحن حول الحقائق ويطول بنا القول لو ذهبنا نستقصى منهج القرآن في إثبات هذا الشطر من فطرة الإنسان ، ولكننا نشير إلى قسم آخر من أقسام تلك الفطرة ، هو الحرية الإنسانية التي ترتبط هي الأخرى بموضوع البعث ارتباطا وثيقا بحيث تشكل معه ومع العبودية والفقر إلى الله موضوعا واحدا ، يتصل بموضوعات أخرى فرعية هى مقومات أو شواهد على صدق تلك
الفطرة الإلهية الحكيمة ، وتستغرق شطرًا كبيرًا من القرآن
(۱) سورة النحل ، الآيات : ٣٨ - ٤٠
(۲) سورة الحجر ، الآية : ٤٧
۲۸