27
وإذا تحققت العبودية فى فطرة الإنسان ، وتحقق عدم أهليته للملكية كان فقيرا بفطرته ، والفقر يقتضى الحجر وعدم التصرف إلا بإذن وسلطان من المالك الحق .
وإذا كان الإنسان في أصل الفطرة على ما وصفنا من العبودية والفقر يعيش على تلك البسيطة الهائلة من الأرض ، ولا يستطيع النفوذ من أقطارها ، كان مقامه عليها على تلك الصورة بحكم الحبس للمحنة والابتلاء ، ولا يتصورها مملكة إلا من عجز عن إدراك الفطرة ، واتخذ إلهه هواه ، وادعى الحرية ، وعلا فى الأرض علو الملوك على مدرجة الضلال .
،
والبلاء الذى يمتحن به الإنسان هو اختلاف بني جنسه حول تلك الحقائق الفطرية اختلافًا هائلاً ، ومن وجهات مختلفة ، فاختلف الناس حول الإذعان لتلك الحقائق ، أو ادعاء ضدها ، من الحرية ، والغنى والحاكمية ، والسيادة ، ثم اختلفوا حول الحق حينما اتفق بعضهم على أن عبودية الإنسان جبلة فطرية في أصل خلقته ، ثم اختلقوا طرائق وشواكل حول الغيبيات كلها ، لا سيما البعث الذى شكل الخلاف حوله مذهبًا دهريًا على حكمة الفطرة من أولها إلى آخرها ، فكان بعث الرسل
،
وإنزال الكتب ضرورة لا محيص عنها ، لإقامة الحجة ، وهداية الناس وحمايتهم من عواقب الخلاف حول الفطرة ، وإن كان الخلاف في أصله هو الآخر فطرة وسنة من سنن الله فى الخلق وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ) فإن الكتب والرسالات كانت لقمع الجنوح النفسي تحت تأثير الخلاف إلى فوضى مدمرة لا تبقى ولا تذر
.
كان من أمهات المسائل التى عنى القرآن بفصل القول فيها : مسألة العبودية لله ، ومسألة البعث للجزاء والكشف عن الحقيقة العظمي التي
(۱) سورة هود ، الآيتان : ۱۱۸ ، ۱۱۹
i
(1)
۲۷