30
ويمضى الإمام الدبوسى فى بيانه العجيب إلى أن يقول مخاطبًا هذا
النوع من الناس فيقول : إن تصرفك فى أموالك كلها متردد بين جائز مأمور به ، وفاسد منهى عنه ، وما هكذا علامة الملك والقهر ، لكنه علامة الإذن على الفقر ، غير أن الله تعالى خلقك للابتلاء مدة بقائك ، وقرن بقاءك بغذائك ، وخلق مما فى الأرض منفعة لك إلى وقت انقضائك ، فقسم لكل عبد نصيبا مفرزًا ، كيلا يتغالبوا فيتفانوا وجعل عليهم من أصلحهم قيمًا وهو السلطان ، فهم يتمتعون بالأنصباء من يد القيم من أحوال طفولتهم وصغرهم ، فإذا عقلوا سلمت إليهم الأنصباء لحق الإذن فى التجارة دون إثبات الملك ، فإذا بلغوا وكملت الحالة ، ضربت عليهم الضرائب للمولى ، وخوطبوا بأدائها مدة الحياة ليعتقوا إذا أدوا ، وسلمت إليهم للحال الأنصباء لحق الإذن تسليم يد ، ليتصور الأداء بحكم تباين الأيدى ، وإن لم يكن فى الحقيقة ملكا للمؤدى ، حتى
لم يملكوا من أموالهم إلا بمقدار ما فك الله الحجر عنهم بالعقد وهنا يتصل هذا الموضوع بموضوع الرق فى القرآن والشريعة بعد ما انحسم القول فى مشكلة الملك والحرية ، والنصوص القرآنية المتعارضة في الظاهر ، من حيث يثبت الملك فى بعض النصوص للإنسان ، ويرجع الملك كله لله وينتفى عن الإنسان في النصوص الأخرى ، ثم يتصل الموضوع الواحد للقرآن بالتشريعات المالية وفروعها تحقيقا للملك الإلهى والقدر المتاح للعباد بالتصرف ، ثم بموضوع البقاء الإنساني بالتكاثر بعد ما بقى المال ، وما يتبع ذلك من أبواب التشريع ، ثم بموضوع المجتمعات الإنسانية وحضاراتها التى لا تزدهر إلا تحت الأمر الإلهى ، ولا تندثر إلا تحت التمرد على تلك الأوامر ، وبموضوع القصص القرآني وتوجيه النظر نحوه فى حركة التاريخ تحقيقا لهذا الأصل الفطرى الذي تدرج حتى وصل إلى قاعدة أوسع يحتمل فيها النسيان ، ولهذا شرعت العبادات والذكر لدوام التذكر
•