← المكتبة ▭▭ صفحتان
أسرار ترتيب القرآن - السيوطي - ط الفضيلة
جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي علوم القرآن
A− A+
17
1 i جمهور المؤمنين ، وهو الأمر الذى أهاب الله تعالى بالمؤمنين أن يحرصوا عليه ، وضمن لهم في سبيل ذلك تمكينا سريعا ، وزحفًا منصورًا ، وعونًا من جند الله يفوق كل قوة وكل جبروت ، وكل سلاح ، وصادف هذا النصح الإلهى من القلوب حبا لا يقاوم للقرآن وتدعيما لذلك فقد كان القرآن دستورًا حضاريا للعمل على مستوى الأمة كلها، عن طريق الحفظ والدرس والتلاوة الواعية والتدبر والاقتناع والتذكر والتطبيق السلوكي الدقيق ، والدليل على أن تحويل القرآن إلى سلوك لم يفرض على المؤمنين بعصا السلطان ، وإنما جاء عن طريق الدرس والتدبر والاقتناع بعظمة القرآن ما رواه أبو عبد الرحمن السلمى قال : حدثنا الذين كانوا يقرأون القرآن كعثمان وعبد الله بن مسعود رضى الله عنهما وغيرهما : أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يعملوا بما فيها من العلم والعمل • قالوا : فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا ، ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة وقال أنس بن مالك لله عنه : كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد في أعيننا ، وأقام عبد الله بن عمر رضی الله عنهما على حفظ البقرة ثماني سنين . ويضيق بنا المقام إذا استقصينا أقوال الصحابة في هذا الصدد ، ولكن الذى نريد أن نوضحه هنا هو أن سرعة الحضارة القرآنية في الانتشار والتأصل نابعة من هذا الينبوع العريق فى الأصالة ، فلا تتعثر الحضارات إلا من جهل الشعوب بالدساتير وأهدافها ، أو من قصور تلك الدساتير في ذاتها ، أو في إقناع الشعوب بجدواها ، وفي كلا الحالين تختلف الشعوب مع السلطات ، وتتمرد على القانون، ومن هنا لا تسرع الحضارة في سيرها نحو غايتها على فرض صلاحيتها ، فضلاً عن النفقات الهائلة التي ۱۷