29
اقتضى هذا التكليف الهائل علما ومعرفة من معين آخر غير المعين الذي يتلقى عنه الناس علومهم ومعارفهم ، هو المعين الالهى الغيبي الذي يفيض على من أسلم وجهه الله ، فيقوم من شطط العقل ، ويحد من شطح الوجدان ، ويصحح ما في قضية الايمان بالغيب من انحرافات سيطرت على عالم الشرق الأقصى ، ى : هو المعين الذى يجب أن تقاس به معارف الناس ، ولا يصح أن يقاس هو بمعارف الناس ، ويجب أن تدور حوله الأفكار تلتمس فيه الحق ، ولا يجوز أن يدور هو حول أفكار الناس ليحقق ظنون العقل ، وأوهام الهوى
لقد أمر الله رسوله ، وكلفه أن يعلم الناس أن الله هو مصدر العلم والموفق الى صحيح المعرفة ، فهو خالق الانسان ، ومعلمه ما يخطه بقلمه وما يعلمه بعقله ، مما هو متاح له من وسائل المعرفة المنظورة ، ومما لم يتح له من وسائلها الغيبية التي لا ينالها الا بعد أن يؤمن بالغيب ، ويصل روحه
ووجدانه بالغيب
"
وسواء مضينا مع السورة لنعلم منها نموذجا من ضلال الانسان الفكرى حينما يطغى اذا استغنى بدلا من أن يشكر ، حتى يبلغ من طغيانه اذا استغنى بالماديات أن ينهى الناس عن دعاء الله ، ليصدهم عن الايمان بالغيب ، ليجعل من نفسه الها وطاغوتا يحكم جهلاءهم ، فان السورة تتلاحم بجزئها الأول وجزئها الثانى مع سورة المدثر ، ثانية سور القرآن نزولا ، مؤيدة ما قلنا من أن ترتيب النزول يساير حركات النفس الانسانية وتفاعلها مع الدعوة الجديدة بالدفع الى الأمام، أو بالتقويم عند الانحراف الى جانب الأهداف الأخرى التي شرحناها
•
كيف تفاعلت النفوس اذن بهذا الاعلان القرآنى الجديد الذي تلقاه
الرسول الأعظم ؟
همس
هنا وهناك بين أرجاء مكة ، تعليقا على ما حدث بالأمس القريب لمحمد بن عبد الله في غار حراء ، حيرة في تفسير هذه الظاهرة في داخل الرسول العظيم. وفيما يجب أن يعمل بعدها ، والزوجة الوفية الرحيمة الزكية خديجة بجواره تبعث في قلبه الطمأنينة والأمل الكبير وكان لابد لهذه الحيرة من نهاية ، ولهمس الناس من قول فصل ، ولهذا نزلت سورة المدثر تضع الرسول أمام رسالته ، وتعلن حكما فاصلا أمام زعماء قريش الذين بدأوا يهمسون بمس من الجن أصاب الرجل الأمين محمد بن عبد الله وتحدد الخطوط العريضة للرسالة في : الانذار ، وتكبير الله و هجران الأصنام ، وطهارة المظاهر والباطن ، والصبر على الأذى .
،