27
•
والحج ، والمؤمنون ، والفرقان ، وتسع وعشرين سورة أخرى ، ومع ذلك فقد وضعت الآيات التي تأخر نزولها من تلك السور في أماكنها متلاحمة تمام التلاحم مع سوابقها ولواحقها ، فلا تنافر بينها في المعنى ولا في جرس الكلام ، مما يحقق ويؤكد ما جاء في السنة مجمعا على صحته من أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يضع تلك الآيات وغيرها من آيات السورة التي كانت تنزل نجوما متتابعة في أماكنها بتوقيف من الوحى ، اذ كان يقول صلى الله عليه وسلم لكتاب الوحى : ضعوا هذه الآية أو الآيات بين آية كذا وكذا
من سورة كذا
ولنأخذ مثلا واحدا من سورة الزمر للدلالة على صحة هذا القول
•
فانها
فهذه السورة نزلت بمكة الا قوله تعالى : ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ( الى ( من قبل أن يأتيكم العذاب بفته وأنتم لا تشعرون ) نزلت بالمدينة ووضعت في مكانها فتلاحمت مع الآيات تلاحما عجيبا لا يكون أبدا الا عن توقيف من الوحي وصار وضع الآيات بعد ذلك على الوجه التالي : ) أو لم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر أن في ذلك لآيات القوم يؤمنون . قل يا عبادي الذين أسرفوا على انفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم . وأنيبوا إلى ربكم واسلموا له من قبل ان يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون . واتبعوا أحسن أنزل اليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغته وانتم لا تشعرون . أن تقول نفس ياحسرتا على ما فرطت في جنب الله وان كنت لمن الساخرين ) .
فنحن نرى أن بسط الرزق والتضييق فيه مظنة الاسراف على النفس
·
،
ففي حالة البسط بالترف ، وارتكاب الموبقات ، وفى حالة الضيق بالعدوان للحصول على المال. فاقتضت الرحمة الالهية فتح باب التوبة للمسرفين وتحذيرهم من التسويف بها خشية حلول العذاب المفاجيء ، فيندم المذنب لتفريطه وسخريته بالأمر الالهى
فهل ترى تلاحما أبدع من هذا التلاحم ؟ ولكنه نبی ورسول ما ينطق
عن الهوى صلى الله عليه وسلم .
بل انك لا تعدم التلاحم بين الآيات دون أن توضع تلك الآيات الثلاث المدنيات في مكانها . فبسط الرزق واقتاره داعيان الى الندم والحسرة حينما ينحرف الانسان بدافع منهما أو من أحدهما عن الصراط السوى ، ولهذا عقب الله قوله في بسط الرزق واقتاره بقوله : ( ان في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ) . وذلك شاهد عظيم لعظمة الترتيب القرآني على أي وجه ، وتفسير
۲۹