← المكتبة ▭▭ صفحتان
أسرار ترتيب القرآن - السيوطي - ت عطا - ط الإعتصام
جلال الدين السيوطي علوم القرآن
A− A+
25
ولا تخرج هذه الأقوال الثلاثة كذلك عن مصلحة الدعوة في حفظ النصوص القرآنية التي تعتبر دستور الدين الجديد ، وفي الاستجابة للمتطلبات الواقعية لتربية خير أمة أخرجت للناس ، اقرارا لما يتفق مع قوانين النظرة الثابتة ، وتقويما لما انحرف عنها بتأثير الهوى وتقاليد الجماعة الموروثة التي لا تخضع للحق من حيث هو حق . C وما شابه ومن أهداف نزول القرآن مفرقاً : تجدد الحوافز التي قررها الله تعالى للدعاة في كل العصور والاقطار ، وللدعاة الأوائل بصفة خاصة ، اذ كان هناك حوافز للدعاة لا يظهر أثرها الا فى الدار الآخرة ، كالصبر على الأذى ، وتوفية الصابرين أجرهم بغير حساب، وجزاء الشهداء عند الله ذلك من الحوافز . وكان هناك حوافز تبشر المؤمنين الدعاة على قلتهم وضعفهم في المال والسلاح بالانتصار واذلال جبروت العدو حتى يكون ذلك أدعى الى صلابة العزائم ، والاصرار في المضى على الطريق ، لا سيما وأن تلك الحوافز كلها قد تحققت من الوجهة القرآنية ، فانعكست في السنة النبوية تعميقا وتوسيعا لمفهومها ، بالبشريات التي زفها الرسول صلى الله عليه وسلم لأتباعه بالانتصار على مملكة فارس ، وبدوام النصر والفتح ما عاشت شريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أي فكانت ليوم بدر • • ( كان الرسول وأصحابه يلوذون بالصبر على الأهوال في مكة ، فأنزل الله تعالى : ( سيهزم الجمع ويولون الدبر ) قال عمر بن الخطاب : فقلت : جمع هذا ؟ فلما كان يوم بدر ، وانهزم المشركون نظرت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم مصلنا بالسيف ويقول : ( سيهزم الجمع ويولون الدبر ) ومن هذا الباب قوله تعالى : ( لا أقسم بهذا البلد . وأنت حل بهذا البلد ) . فهذه السورة مكية ، وقد نزلت والمسلمون في كرب الاضطهاد والحصار الاقتصادي الرهيب تبشرهم بالفتح في صورة احلال البلد الحرام لقائد الدعوة صلى الله عليه وسلم . وقد ظهر أثر هذا الفتح وذلك الحل في قوله صلى الله عليه وسلم عن مكة : « أحلت لى ساعة من نهار » . بل لقد كان هناك حافز أشمل من كل تلك الجوافز ، وأشد قوة في رفع الهمم ودفعها إلى اقتحام أشق العقبات ، وذلك في آية النحل التي تبشر تلك القلة المستضعفة في مكة بملك عظيم، وعلاقات دولية واسعة ، شرع لهم عند قيامه ألا ينقضوا العهود ايثار للمال أو القوة في قوله تعالى : ( ولا تكونوا كانتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم ۲۷ · دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربي من أمة )