← المكتبة ▭▭ صفحتان
أسرار ترتيب القرآن - السيوطي - ت عطا - ط الإعتصام
جلال الدين السيوطي علوم القرآن
A− A+
23
ترتيب النزول : ترتيب القرارين يختلف ترتيب القرآن في النزول عن ترتيبه في المصحف اختلافا كبيرا ومنشأ هذا الاختلاف هو اختلاف الهدف المقصود من كلا الترتيبين • ومن المعلوم أن القرآن الكريم نزل منجما على رسول الله صلى الله عليه وسلم في عشرين سنة ، أو ثلاث وعشرين سنة ، أو خمس وعشرين سنة على حسب الخلاف في اقامته صلى الله عليه وسلم بمكة بعد البعثة ، والذي يلقى الضوء على حكمة انزاله مفرقا في هذه المدة الطويلة ما أخرجه البخارى عن عائشة قالت : « انما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار ، حتى اذا ثاب الناس إلى الاسلام نزل الحلال والحرام ، ولو نزل أول شيء : لا تشربوا الخمر . لقالوا : لا ندع الخمر أبدا ولو نزل : لا تزنوا . لقالوا : لا ندع الزنا أبدا ، ، واذا تدبرنا الناسخ والمنسوخ من مكى القرآن تبين لنا مدى علم عائشة رضى الله عنها بحكمة ترتيب النزول فالمقصود الرئيسى هو مراعاة حاجة الدعوة الى الدين الجديد من الوجهة التربوية الالهية الخالصة، والتدرج بالناس شيئا فشيئا حتى يتم المراد من اکمال الدين ، وتمام النعمة ، دون أن تكون هناك عوائق نفسية تعوق الانسان السوى عن متابعة التنزيل ، وتدير معانيه ، والاقتناع بمراميه والعمل بما تضمنه من أحكام . وآية ذلك أن الفترة المكية على طولها لم تكن التعاليم القرآنية فيها متجهة الا الى بناء العقيدة وترسيخها في أعماق الوجدان ، ولم يشرع من العبادات فيها الا الصلاة ، باعتبارها تجديدا دائما ومتكررا لقوة العقيدة وفاعليتها ، وما ذاك الا لأن العقيدة هي قوة الدفع للانسان المؤمن نحو الطاعة المطلقة الله في الأمر والنهي، وآية صدق هذا المنهج التربوى : ما أنجزه الرعيل الأول في المدينة من أعمال عظمى ، يعجز عنها انسان ذو عقيدة لا تتسم بالأصالة والرسوخ والعمق واليقين فالقرآن على منهج النزول هو منهج دعوة لتأسيس دين بين قوم لا يدينون بالحق ، ومنهج تربية لأمة مختارة ومصطفاة لنشر هذا الدين ۲۰