← المكتبة ▭▭ صفحتان
أسرار ترتيب القرآن - السيوطي - ت عطا - ط الإعتصام
جلال الدين السيوطي علوم القرآن
A− A+
16
وآيات الله في النفس اذا تأملها الانسان مجردا عن الكتب والرسالات السماوية تبينت له تلك القوانين الفطرية ، وتأكد له أن القرآن لم ينزل الا بهذه الفطرة التي هي الخلقة الالهية بقوانينها العلمية الثابتة التي يواجهها انسان العصر فاغرا فاه من الدهشة متصورا أنه على ضدها في هذه الحياة حتى رة ما اعتراه من النسيان، وصلابة ما غلف قلبه من رين الغفلة لكثرة ظن الباطل حقا والحق باطلا الا من عصم الله ، وقليل ما هم فالاجماع قد انعقد في جميع الافهام على أن العبد : اسم خاص للملوك من جنس العقلاء ، والمملوك : اسم لعاقل قهره غيره فاستولى عليه استيلاء السيد على العبد ، سواء أكان القاهر له انسانا مثله ، أو شهوة من شهواته ، أم طاغوتا من الطواغيت، أم شيطانا من الشـ ياطين ، أم هو قوة خفية قاهرة عليا فوق ولا يتبين لها وجها ولا جهة لا يستطيع أن يميزها كل القوى 4 وتأمل الانسان في نفسه دون تقيد بكتاب ولا رسول يؤكد له في أصل الفطرة أنه عاقل مقهور بالتكوين والانشاء من العدم، واذا كان مقهورا بأصل الفطرة على هذه الصورة فقد انعدمت في فطرته المشيئة ، لأن المشيئة عبارة عن نهاية المالكية، والانسان قد فطر على ضدها من المملوكية التي أوضحناها، والدليل على فقدان الانسان للمشيئة من واقع سلوكه : أنه يشاء الكثير من الخير ، ولا يصيب الا المقدور له ، والمقسوم منذ الازل السحيق وإذا تحققت العبودية في فطرة الانسان ، وتحقق عدم أهليته للملكية كان فقيرا بفطرته، والفقر يقتضى الحجر وعدم التصرف الا باذن وسلطان من المالك الحق واذا كان الانسان في أصل الفطرة على ما وصفنا من العبودية والفقر يعيش على تلك البسيطة الهائلة من الارض ، ولا يستطيع النفوذ من أقطارها، كان مقامه عليها على تلك الصورة بحكم الحبس للمحنة والابتلاء ، ولا يتصورها مملكة الا من عجز عن ادراك الفطرة ، واتخذ الهه هواه ، وادعى الحرية ، وعلا في الارض عنو الملوك على مدرجة الضلال. • والبلاء الذي يمتحن به الانسان هو اختلاف بني جنسه حول تلك الحقائق الفطرية اختلافا هائلا ، ومن وجهات مختلفة فاختلف الناس حول الاذعان لتلك الحقائق ، أو إدعاء ضدها، من الحرية ، والغنى ، والحاكمية والسيادة ، ثم اختلفوا حول الحق حينما اتفق بعضهم على أن عبودية الانسان جبلة فطرية في أصل خلقته ، ثم اختلفوا طرائق وشواكل حول الغيبيات