← المكتبة
▭▭ صفحتان
أسنى المتاجر في بيان أحكام من غلب على وطنه النصارى ولم يهاجر - الونشريسي - ت مؤنس - ط الثقافة الدينية
A−
A+
18
١٨
على
حسين مؤنس
رسم
يتوالى الأجيال وانقطاع الصلة بمواطن العروبة والاسلام ، فنجدهم يفقدون لفتهم قليلا قليلا ، ولا يحتفظون منها إلا الحروف العربية ، يكتب بها القادرون الكتابة منهم منهم ما يريد كتابته من عقود ووثائق ، وربما كتبوا كتباً في الدين والقصص وما إلى ذلك ، وكانوا يكتبون بها كأنها لغة سرية بينهم ، يسجلون بها ما يريدون دون أن يخشوا اطلاع أعين الرقباء على ما فيها ، وقد يكتبون بها لأنهم لا يعرفون غيرها ، ولدينا من هذه الحالات كثير
الله
+
(1)
لصدق
ولقد ظلت بقايا قليلة من هذه الجماعات محتفظة - رغم القيود والارهاب - بدينها وحروف لغتها العربية حتى أواخر القرن السادس عشر الميلادي ، وربما السابع عشر ، ونجم من بينها رغم كل شيء رؤساء على جانب كبير من الشهامة وكرم الأرومة وثبات الدين ، بل ظهر فيهم شعراء وكتاب عثرنا على آثار بعضهم ، مما فصلنا أمره في كتاب ( تاريخ الفكر الأندلسي » ، فلو انطبق قول رسول « صلى الله عليه وسلم : «القابض على دينه كالقابض على الجمر عن هؤلاء دون غيرهم ، وهؤلاء هم الذين يصفهم الشيخ الونشريشي بالكفر والعصيان ويفتى فى أمر إيمانهم وهو متبحبح في داره في فاس وقد فاته أن ضعفاء الناس أكثر من الأقوياء ، وأن العاجزين عن الرحلة والهجرة هم الغالبية العظمى ، وأن الهجرة لم تكن إذ ذاك رحلة هيئة تتوقف على رغبة المسلم الذي وقع في ذلك المأزق ، بل كانت أمراً عسيراً كل المسر حافلا بالصعوبات والمخاطر والمكاره ، إذ كان لا بد للعازم عليها أن يؤدى قدراً من المال ذهباً حتى تأذن له السلطات فى الانتقال ، وكانت الطرقات محوفة لا يأمن المهاجر على نفسه فيها ، وهو إذا انسلخ عن موطنه وسار في الطرقات الموحشة لم يأمن أن يسطو عليه من يلقاه ويقتله أو يأسره ويبيعه بيع الرقيق ، وكان البحر
(1) انظر : أنخل جندالذ بالننيا ، تاريخ الفكر الأندلسي ، نقله إلى العربية حسين مؤنس ( القاهرة ١٩٥٥ ) ص ٥٠٧ وما يليها