16
-۱۷-
كتب غير مشتهرة لا يطلع عليها كل وافد ، ولا يسرح في روض رياضها إلا الواحد بعد الواحد . وجلّت شرعة الله أن تكون منهلا لكل وارد ، والقرائح مراتب والفضائل مواهب ، والعلم عباب زاخر ، وكم يترك الأول للآخر ، ولم أتعرض إلا لما تمس الحاجة إليه ويتوقف فهم أسرار الشريعة عليه، وتركت مالا نحتاج إليه فيها إلا نادرا . وإن كان بديعا فاخراً (1) .
وقد كتب الإمام المناوى فى جميع مناحى الفكر والمعرفة سواء في المباحث الشرعية أو فى العلوم الطبية أو الإلهية، وكان حجة فى كل ما كتب أو أملى . وتعد مؤلفاته دائرة معارف عامة للحياة العربية، لو صح هذا التعبير ، فهي تجمع بين كل النواحي العقلية والاجتماعية والأخلاقية والفنية والعلمية . وهو في كل تأليفه إنما تحرى الصحيح وقصده .
ومن هنا جاء اهتمامه وعنايته بالمفردات كأداة حقيقة التعبير عما يكتب . فالمفردات لديه تعطى لكل كلمة معنى خاصا أو صورة خاصة ، أو تشير إلى مسمى خاص لا تحيد عنه . وكل كلمة من كلمات اللغة يقابلها لديه فكرة من الأفكار أو عاطفة من العواطف . ومن هنا جاءت دقته الشديدة فى تحرى الصواب وتلمس معاني الكلمات في مظانها المختلفة واستقصاء أصولها واستيعاب شواهدها وضبط كلماتها وموازينها ، وبيان الفروق اللغوية بين مترادفاتها ، وتحقيق المعرب والدخيل والأعجمي والأصيل . استنادا إلى الكتب والمعاجم اللغوية التي وضعها من سبقوه من العلماء والنحاة . فحشد ما وقع تحت يديه من معلومات قيمة لا تتأتى لكل إنسان ، فترك لنا ثروة لغوية جديرة بأن تخرج إلى النور في أيامنا هذه التي نحتاج فيها إلى لغتنا لكي نجاری مقتضیات العصر الذي حققت فيه العلوم تقدما هائلا ومذهلا .
•
وقد اختط لنفسه في ذلك طريقا التزم فيه بضبط الحركات ، تجنبا للتصحيف قضبط المادة بالعبارة كأن يقول : القَدَر محركا ، أو بالتحريك ، وهكذا
ورتب توقيفه على أبواب بعدد حروف الهجاء مع مراعاة الحرف الثاني الذي رتبه على حروف الهجاء أيضا ، فجاء في ثمانية وعشرين بابا ، كل باب منها يضم سبعة
•
(۱) انظر مقدمته الكتاب ص ٣٣