19
;
يخضعوا وما كان ممكناً أن يخضعوا لأي منهج علمي في بحوثهم . بل هو نوع من الإلهام كان يرد على قلوبهم، وفي ضوئه كانوا يحكمون. وهناك أثر عن ابن مهدي ربما ساعدهم على هذا النوع من الفهم . روى ابن نمير عن ابن مهدي أنه قال : معرفة الحديث إلهام . قال ابن نمير : صدق ، لو قلت له : من أين؟ لم يكن له جواب وبناء على مثل هذا فهم كثير من الناس أن أحكام المحدثين على الرواة والمرويات لم تكن وليدة البحث والتنقيب، ولم يكن هناك منهج علمي لنقد الرجال ، بل إن الأمر لا يعدو أنه كان إلهاماً ، ألقاه الله في قلوبهم ، فحكموا في
ضوئه .
(10)
وهناك فئة ثالثة تذهب إلى أنه يمكن الحكم على الأحاديث ورواتها ، ولقد حكم المحدثون فعلاً ، لكنهم لم يتقيدوا بمنهج علمي، لذلك اضطريت أقوالهم واختلفت آراؤهم وتباينت وجهات أنظارهم والأسلوب الذي اتبعوه في إصدار أحكامهم كان غير كاف للهدف المنشود لذلك أصبح كلامهم خبط عشواء . وخلاصة القول : أن أمامنا ثلاث فئات من الناس : الفئة الأولى : وهي ترى أنه من المتعذر الحكم على صحة الأحاديث وسقمها ، لأنه نوع من الادعاء بعلم الغيب . الفئة الثانية : وهي ترى أن حكم المحدثين كان مبنياً على علم كان يلقيه الله في قلوبهم ، ولا يخضع حكمهم لأي منهج علمي . والفئة الثالثة : وهي ترى بأنه لم يكن هناك منهج علمي ولا إلهام في أحكامهم ، ولذلك اضطريت أقوالهم .
ولقد ردّ على الفئة الأولى الإمام مسلم رحمه الله في كتابه التمييز رداً بليغاً ، وكلامه يرد على الفئة الثانية والثالثة أيضاً، ولقد تبين وثبت ثبوتاً لا جدال فيه في
ضوء كتاباته وكتابات النقاد الآخرين أن منهج النقد عند المحدثين منهج علمي بكل
معنى الكلمة .
(٤٥) شرح علل الترمذي ٤٤ - أ .
- 14 -