34
ما بدل من ألفاظ العلوم
العموم والشمول أو بطريق الاستتباع ؛ مكان إطلاقهم له على علم الآخرة أكثر. فبان من هدا التخصيص تلييس بعث الناس على التجرّد له والإعراض عن علم الآخرة وأحكام القلوب ، ووجدوا على ذلك معيناً من الطبع ، فإن علم الباطن غامض والعمل به عسير ، والتوصل به إلى طلب الولاية والقضاء والجاه والمال متعذر ، فوجد الشيطان مجالا لتحسين ذلك في القلوب بواسطة تخصيص اسم الفقه الذى هو اسم محمود في الشرع (اللفظ الثاني) العلم : وقدكان يطلق ذلك على العلم بالله تعالى وبآياته وبأفعاله في عباده وخلقه ، حتى أنه لما مات عمر رضى الله عنه قال ابن مسعود رحمه الله ، لقد مات تسعة أعشار العلم فعرفه بالألف واللام ثم فسره العلم بالله سبحانه وتعالى ، وقد تصرفوا فيه أيضاً بالتخصيص حتى شهروه في الأكثر بمن يشتغل بالمناظرة مع الخصوم في المسائل الفقهية وغيرها ؛ فيقال : هو العالم على الحقيقة ، وهو الفحل فى العلم ، ومن لا يمارس ذلك ولا يشتغل به يعد من حملة الضعفاء ولا يعدونه في زمرة أهل العلم . وهذا أيضاً تصرف بالتخصيص ، ولكن ما ورد من فضائل العلم والعلماء أكثره في العلماء بالله تعالى وأحكامه وبأفعاله وصفاته . وقد صار الآن مطلقاً على من لا يحيط من علوم الشرع بشيء سوى رسوم جدلية في مسائل خلافية ، فيعد بذلك من فحول العلماء مع جهله بالتفسير والأخبار وعلم المذهب وغيره ، وصار ذلك سفياً مهلكا لخلق كثير من أهل الطلب للعلم (اللفظ الثالث) التوحيد : وقد جعل الآن عبارة عن صناعة الكلام ومعرفة طريق المجادلة والإحاطة بطرق مناقضات الخصوم والقدرة على التشدّق فيها بتكثير الأسئلة وإثارة الشبهات وتأليف الإلزامات ، حتى لقب طوائف منهم أنفسهم بأهل العدل والتوحيد وسمى المتكلمون العلماء بالتوحيد ، مع أن جميع ماهو خاصة هذه الصناعة لم يكن يعرف منها شيء في العصر الأول بل كان يستد منهم النكير على من كان يفتح بابا من الجدل والمهاراة ؛ فأما ما يشتمل عليه القرآن من الأدلة الطاهرة التى تسبق الأذهان إلى قبولها في أول السماع فلقد كان ذلك معلوما للكل ، وكان العلم بالقرآن هو العلم كله ، وكان التوحيد عندهم عبارة عن أمر آخر لا يفهمه أكثر المتكلمين ، وإن فهموه لم يتصفوا به : وهو أن يرى الأمور كلها من الله عز وجل رؤية تقطع التفاته عن الأسباب والوسائط ، فلا يرى الخير والشر كله إلا منه جل جلاله ؛ فهذا مقام شريف إحدى ثمراته التوكل كما سيأتي بيانه في كتاب التوكل . ومن ثمراته أيضاً ترك شكاية الخلق ، وترك الغضب عليهم ، والرضا والتسليم لحكم الله تعالى وكانت إحدى ثمراته قول أبى بكر الصديق رضى الله عنه لما قيل له فى مرضه أنطلب لك طبيباً فقال : الطبيب
أمرضنى ، وقول آخر لما مرض فقيل له ماذا قال لك الطبيب فى مرضك ؟ فقال : قال لى إلى فعال لما أريد وسيأتي في كتاب التوكل وكتاب التوحيد شواهد ذلك . والتوحيد جو هو نفيس وله قشران : أحدهما أبعد عن اللب من الآخر ، فخصص الناس الاسم بالقشر وبصنعة الحراسة للقشر وأهملوا اللب بالكلية ؛ والقشر الأول : هو أن تقول بلسانك لا إله إلا الله ، وهذا يسمى توحيداً مناقضاً للتثليث الذي صرح به النصارى ، ولكنه قد يصدر من المنافق الذي يخالف سره جهره . والقشر الثاني : أن لا يكون فى القلب مخالفة وإنكار لمفهوم هذا القول بل يشتمل ظاهر القلب على اعتقاده وكذلك التصديق به وهو توحيد عوام الخلق والمتكلمون كما سبق حراس هذا القشر عن تشويش المبتدعة . والثالث : وهو اللباب - أن يرى الأمور كلها من الله تعالى رؤية تقطع التفاته عن الوسائط ، وأن يعبده عبادة يفرده بها فلا يعبد غيره ، ويحرج عن هذا التوحيد أتباع الهوى ، فكل متبع هواه فقد اتخذ هـواه معبوده . قال الله تعالى ( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ) وقال صلى الله عليه وسلم « أبغض إله عبد فى الأرض ( ه - إحياء علوم الدين - ١ )