← المكتبة ▭▭ صفحتان
إحياء علوم الدين - الغزالي - ط المعرفة
محمد بن محمد الغزالي أبو حامد الرقاق والآداب والأذكار
A− A+
35
٣٤ ما بدل من ألفاظ العلوم عند الله تعالى هو الهوى (١) ، وعلى التحقيق من تأمل عرف أن عابد الصنم ليس يعبد الصنم وانما يعبد هواه ، إذ نفسه مائلة إلى دين آبائه فيتبع ذلك الميل ، وميل النفس إلى المألوفات أحد المعاني التي يعبر عنها بالهوى ، ويخرج من هذا التوحيد التسخط على الخلق والالتفات إليهم ، فإنّ من يرى الكل من الله عز وجل كيف يتسخط على غيره ، فلقد كان التوحيد عبارة عن هذا المقام وهو مقام الصديقين ، فانظر إلى ماذا حول وبأى قشر قنع منه ، وكيف اتخذوا هذا معتصما في التمدح والتفاخر بما اسمه محمود مع الإفلاس عن المعنى الذى يستحق الحمد الحقيقى ، وذلك كإفلاس من يصبح بكرة ويتوجه إلى القبلة ويقول ( وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا ) وهو أول كذب يمانح الله به كل يوم إن لم يكن وجه قلبه متوجهاً إلى الله تعالى على الخصوص : فإنه إن أراد بالوجه وجه الظاهر فما وجهه إلا إلى الكعبة وما صرفه إلا عن سائر الجهات ، والكعبة ليست جهة للذي فطر السموات والأرض . حتى يكون المتوجه اليها متوجها إليه ، تعالى عن أن تحده الجهات والأقطار . وإن أراد به وجه القلب وهو المطلوب المتعبد به فكيف يصدق فى قوله وقلبه متردّد فى أوطاره وحاجاته الدنيرية ومتصرف في طلب الحيل في جمع الأموال والجاه واستكثار الأسباب ، ومتوجه بالكلية إليها ، فمتى وحه وجهه الذي فطر السموات والأرض وهذه الكلمة خير عن حقيقة التوحيد ، فالموحد هو الذى لا يرى إلا الواحد ولا يوجه وجهه إلا إليه ، وهو امتثال قوله تعالى (قل الله ثم ذرهم فى خوضهم يلعبون ) وليس المراد به القول باللسان، فإنما اللسان ترجمان يصدق مرة ويكذب أخرى . وإنما موقع نغمر الله تعالى المترجم عنه هو القلب ، وهو معدن التوحيد ومنبعه (اللفظ الرابع) الذكر والتذكير ، فقد قال الله تعالى ( وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ) وقد ورد في الثناء على مجالس الذكر أحبار كثيرة كقوله صلى الله عليه وسلم : إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا . قيل : وما رياض الحنة ؟ قال . مجالس الذكر (٢) ، وفى الحديث : إنّ الله تعالى ملائكة سياحين فى الدنيا سوى ملائكة الخلق إذا رأوا مجالس الذكر ينادي بعضاً ألا هلموا إلى بعيتكم فيأتونهم ويحفون بهم ويستمعون . ألا فاذكروا الله وذكروا أنفسكم (۳) ، فنقل ذلك إلى ماترى أكثر الوعاظ فى هـذا الزمان يواظبون عليه وهو القصص والأشعار والتطح والطامات ، أما القصص فهي بدعة ، وقد ورد نهى السلف عن الحلوس إلى القصاص وقالوا لم يكن ذلك في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم (٤) ولا فى زمن أبى بكر ولا عمر رضى الله عنهما ، حتى طهرت الفتنة وظهر القصاص وروى أن ابن عمر رضى الله عنهما حرج من المسجد فقال : ما أحرجني إلا القاص ولولاه لما حرجت . وقال ضمرة : قلت لسان الثورى يستقبل القاص بوحوهنا ؟ فقال ولوا البدع ظهوركم ، وقال ابن عون : دخلت على ابن سيرين فقال : ما كان اليوم من خبر ؟ فقلت : نهى الأمير القصاص أن يقصوا . فقال: وفق للصواب . ودحل الأعمش جامع البصرة فرأى قاصاً يقص ويقول : حدثنا الأعمش ، فتوسط الحلقة وجعل ينتف شعر إبطه ، فقال القاص ، ياشيخ ، ألا تستحى ! فقال : لم ؟ أنا في سنة وأنت في كدب ، أنا الأعمش وما حدثتك وقال أحمد ، أكثر الناس كدباً القصاص والسؤال . وأخرج على رضى الله عنه القصاص من مسجد جامع البصرة ، بعضهم (۲) (۱) حديث ( أنهم إله عند في الأرض عند الله هو الهوى » احرجه الطبراني من حديث أبي أمامة بإساد ضعيف (۲) حديث ( إذا مررتم برياض الجنة مرتعوا ... الحديث » أحرجه الترمذي من حديث أنس (۳) حديث « إن الله ملائكة سياحين فى الهواء سوى ملائكة الحلو في الهواء والترمذى « سياحير في الأرض » وقال سياره مسلم · ... وحيه الحديث» متفق عليه من حديث أبي هريرة دون قوله (٤) حديث : لم تكن القصص فى رمن رسول الله صلى الله عليه وسلم . رواه ابن ماجه من حديث عمر بإسناد حس