← المكتبة ▭▭ صفحتان
إحياء علوم الدين - الغزالي - ط المعرفة
محمد بن محمد الغزالي أبو حامد الرقاق والآداب والأذكار
A− A+
33
۳۲ ما بدل من ألفاظ العلوم • الفاسدة إلى معان غير ما أراده السلف الصالح والقرن الأول ، وهى خمسة ألفاظ : الفقه ، والعلم ، والتوحيد ، والتذكير ، والحكمة ؛ فهذه أسام محمودة ، والمتصفون بها أرباب المناصب في الدين ، ولكنها نقلت الآن إلى معان مذمومة ، فصارت القلوب تنفر عن مذمة من يتصف بمعانيها لشيوع إطلاق هذه الاسامى عليهم ( اللفظ الأول ) الفقه ؛ فقد تصرفوا فيه بالتخصيص لا بالنقل والتحويل ؛ إذا خصصوه بمعرفة الفروع الغريبة في الفتاوى والوقوف على دقائق عللها واستكثار الكلام فيها وحفظ المقالات المتعلقة بها ؛ فمن كان أشد تعمقا فيها وأكثر اشتغالا بها يقال هو الأفقه ، ولقد كان اسم الفقه في العصر الأول مطلقا على علم طريق الآخرة ومعرفة دقائق آفات النفوس و مفسدات الأعمال وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا وشدة التطلع إلى زميم الآخرة واستيلاء الخوف على القلب ؛ ويدلك عليه قوله عز وجل ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ) وما يحصل به الإنذار والتخويف هو هذا الفقه دون تفريعات الطلاق والعتاق واللعان والسلم والإجارة ؛ فذلك لا يحصل به إنذار ولا تخويف ، بل التجرد له على الدوام يقسى القلب وينزع الخشية منه كما نشاهد الآن من المتجردين له. وقال تعالى ( لهم قلوب لا يفقهون بها ) وأراد به معانى الإيمان دون الفتاوى ؛ ولعمرى إن الفقه والفهم فى اللغة اسمان بمعنى واحد ، وإنما يتكلم في عادة الاستعمال به قديما وحديثا . قال تعالى ( الأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ) الآية ؛ فأحال قلة خوفهم من الله واستعظامهم سطوة الخاق على قلة الفقه ؛ فانظر إن كان ذلك نتيجة عدم الحفظ لتفريعات الفتاوى. أو هو نتيجة عدم ما ذكرناه من العلوم. وقال صلى الله عليه وسلم علماء فقهاء (١) ، الذين وفدوا عليه وسئل سعد بن إبراهيم الزهري رحمه الله أى أهل المدينة أفقه ؟ فقال : أتقاهم الله تعالى ؛ مكأنه أشار إلى ثمرة الفقه ، والتقوى ثمرة العلم الباطني دون الفتاوى والأقضية . وقال صلى الله عليه وسلم « ألا أنبئكم بالفقيه كل الفقيه ؟ قالوا يلى ، قال : من لم يقنط الناس من رحمة الله ، ولم يؤمنهم من مكر الله ، ولم يؤيسهم من روح الله ، ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى ماسواه (۳) ، ولما روى أنس بن مالك قوله صلى الله عليه وسلم و الان أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من غدوة إلى طلوع الشمس أحب إلى من أن أعتق أربع رقاب (۳) ، قال : فالتفت إلى زيد الرقاشي وزياد النميرى وقال : لم تكن مجالس الذكر مثل مجالسكم هذه يقص احدكم وعظه على أصحابه ويسرد الحديث سردا ، إنما كنا نقعد فنذكر الإيمان ونتدبر القرآن ونتفقه فى الدين ونعد نعم الله علينا تفقها ، مسمى تدبر القرآن وعد النعم تفقها . قال صلى الله عليه وسلم « لا يفقه العبد كل الفقه حتى يمقت الناس فى ذات الله ، وحتى يرى للقرآن وجوها كثيرة (4) ، وروى أيضا موقوفا على أبي الدرداء رضى الله عنه مع قوله « ثم يقبل على نفسه فيكون لها أشد منتا . وقد سأل فرقد السبخى الحسن عن الشيء فأجابه ، فقال : إن الفقهاء يخالفونك ؛ فقال الحسن رحمه الله : ثكلتك أمك فريقد، وهل رأيت فقيها بعينك ؟ إنما الفقيه الزاهد فى الدنيا الراغب فى الآخرة البصير بدينه المداوم على عبادة ربه الورع الكاف نفسه عن أعراض المسلمين العفيف عن أموالهم الناصح الجماعتهم ؛ ولم يقل في جميع في ذلك : الحافظ الفتاوى ، ولست أقول إن اسم الفقه لم يكن متناولا للفتاوى فى الاحكام الظاهرة ، ولكن كان بطريق لفروع (٤) > (1) حديث « علماء حكماء فقهاء » رواه أبو نعيم في الحلية والبيهقى فى الزهد، والخطيب فى التاريخ من حديث سويد بن الحارت بإسناد ضعيف (۲) حديث « ألا أنبشكم بالفقيه كل الفقيه ... الحديث » رواه أبو بكر بن لال في مكارم الأخلاق ، وأبو بكر بن السني وابن عبد البر من حديث على. وقال ابن عبد البر : أكثرهم يوقفونه من على (۳) حديث أني « لأن أقعد من قوم يذكرون الله تعالى من عدوه إلى طلوع الشمس ... الحديث ، رواه أبو داود بإسناد حسن . (٤) حديث « لا يفقه العبد كل الفقه حتى يمقت الناس فى ذات الله ... الحديث » أخرجه ابن عبد البر من حديث شداد بن أوس وقال : لا يصح مرفوعا .