← المكتبة ▭▭ صفحتان
إحياء علوم الدين - الغزالي - ط المعرفة
محمد بن محمد الغزالي أبو حامد الرقاق والآداب والأذكار
A− A+
32
بيان علة ذم العلم المذموم أربعين يوما ، وقد دل النبض عليه ، فاستشعرت المرأة الخوف العظيم وتنغص عليها عيشها ، وأخرجت أموالها وفرقتها ، وأوصت ، وبقيت لا تأكل ولا تشرب حتى انقضت المدة فلم تمت ، لحاء زوجها إلى الطبيب وقال له : لم المعقد الشحم تمت ، فقال الطبيب : قد علمت ذلك فجامعها الآن فإنها تلد ؛ فقال : كيف ذاك؟ قال : رأيتها سمينة وقد المعقدال على هم رحمها ، فعلمت أنها لاتهزل إلا بحوف الموت ، فخوفتها بذلك حتى هزلت وزال المانع من الولادة : فهذا ينبهك على استشعار خطر بعض العلوم ويفهمك معنى قوله صلى الله عليه وسلم ( نعوذ بالله من علم لا ينفع (١) ، فاعتبر بهذه الحكاية ولا تكن بجانا من علوم ذمها الشرع وزحر عنها ، ولازم الاقتداء بالصحابة رضى الله عنهم ، واقتصر على أتباع السنة ، فالسلامة في الاتباع ، والخطر في البحث عن الأشياء والاستقلال ، ولا تكثر اللجج برأيك و معقولك ودليلك وبرهانك وزعمك أنى أبحث عن الأشياء لأعرفها على ما هى عليه ، فأى ضرر في التفكر في العلم فإن ما يعود عليك من ضرره أكثر ، وكم من شيء تطلع عليه فيضرك اطلاعك عليه ضرراً يكاد يهلكك في الآخرة إن لم يتداركك الله برحمته . واعلم أنه كما يطلع الطبيب الحاذق على أسرار فى المعالجات يستبعدها من لا يعرفها فكذلك الأنبياء أطباء القلوب والعلماء بأسباب الحياة الأخروية ، فلا تتحكم على سننهم بمعقولك فتهلك ، فكم من شخص يصيبه عارض في أصبعه فيقتضى عقله أن يطليه ، حتى ينبه الطبيب الحاذق أن علاجه أن بطلى الكف من الجانب الآخر من البدن فيستبعد ذلك غاية الاستبعاد من حيث لا يعلم كيفية انشعاب الأعصاب ومنابتها روجه التفافها على البدن ؟ فهكذا الأمر فى طريق الآخرة ، وفى دقائق سنن الشرع وآدابه ، وفى عقائده التي تعيد الناس بها أسرار ولطائف ليست في سمة العقل وقوته الإحاطة بها ، كما أن في خواص الأحجار أموراً عجائب غاب عن أهل الصنعة عليها حتى لم يقدر أحد على أن يعرف السبب الذى به يجدب المغناطيس الحديد ؛ فالعجائب والغرائب في العقائد والأعمال ، وإفادتها لصفاء القلوب ونقائها وطهارتها وتزكيتها وإصلاحها للترقى إلى جوار الله تعالى وتعرضها لنفحات فضله أكثر و أعظم مما في الأدوية والعقاقير ، وكما أن العقول تقصر عن إدراك منافع الأدوية مع أن التجربة سبيل إليها فالعقول تقصر عن إدراك ما ينفع فى حياة الآخرة مع أن التجربة غير متطرقة إليها ، وإنما كانت التجربة تتطرق إليها لو رجع إلينا بعض الأموات فأخبرنا عن الأعمال المقبولة النافعة المقربة إلى الله تعالى زلفى وعن الأعمال المبعدة عنه ، وكذا عن العقائد ، وذلك مما لا يطيع فيه فيكفيك من منفعة العقل أن يهديك إلى صدق النبي صلى الله عليه وسلم ويفهمك موارد إشاراته ، فاعزل العقل بعد ذلك عن التصرف ولازم الاتباع فلا تسلم إلا به والسلام ؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : إن من العلم جهلا وإن من القول عيا (۲) ، ومعلوم أن العلم لا يكون جهلا ولكنه يؤثر تأثير الجهل في الإضرار . وقال أيضا صلى الله عليه وسلم د قليل من التوفيق حير من كثير من العلم (٣) ، وقال عيسى عليه السلام : ما أكثر الشجر وليس كلها بمثمر وليس كلها بطيب ، وما أكثر العلوم وليس كلها بنافع اعلم بيان مابدل من ألفاظ العلوم (۳) أن منشأ التباس العلوم المذمومة بالعلوم الشرعية تحريف الأسامى المحمودة وتبديلها ونقلها بالأغراض . (۲) حديث « إن من العلم جهلا . (۱) حديث ( نعوذ بالله من علم لا ينفع ، أخرجه ابن عبد البر من حديث جابر بسند حسن ، وهو عند ابن ماجه يلفظ ه تعوذوا ، وقد تقدم الحديث ، رواء أبو داود من حديث بريدة وفي إسناده من يجهل (۳) حديث « قليل من التوفيق خير من كثير من العلم ، لم أجد له أصلا، وقد ذكره صاحب الفردوسي من حديد أبي الدرداء ، وقال «العقل بدل العلم» ، ولم يخرجه ولده في مسنده •