31
٣٠
بيان علة ذم العلم المذموم
وينمحى ذكر الله سبحانه عن القلب ، فإن الضعيف يقصر نظره على الوسائط ، والعالم الراسخ هو الذى يطلع على أن الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره سبحانه وتعالى ، ومثال نطر الضعيف إلى حصول ضوء الشمس عقيب طلوع الشمس ، مثال النملة لو خلق لها عقل وكانت على سطح قرطاس وهى تنظر إلى سواد الخط يتجدد ، فتعتقد أنه فعل القلم ولا تترقى فى نظرها إلى مشاهدة الأصابع، ثم منها إلى اليد ، ثم منها إلى الإرادة المحركة اليد ، ثم منها إلى الكاتب القادر المريد ، ثم منه إلى خالق اليد والقدرة والإرادة ؛ فأكثر نطر الخلق مقصور على الأسباب القريبة السافلة . مقطوع من الترقى إلى مسبب الأسباب ؛ فهذا أحد أسباب النهى عن النجوم . وثانيها : أن أحكام النجوم تخمين محض ليس يدرك في حق آحاد الاشخاص لا يقيناً ولا طناً ، فالحكم به حكم بجهل ، فيكون ذمه على هذا من حيث إنه جهل لا من حيث إنه علم ، فلقد كان ذلك معجرة لإدريس عليه السلام فيما يحكى وقد اندرس وانمحى ذلك العلم وانمحق ، وما يتفق من إصابة المنجم على ندور فهو اتفاق لأنه قد يطلع على بعض الأسباب ولا يحصل المسبب عقيبها إلا بعد شروط كثيرة ليس فى قدرة البشر الاطلاع على حقائقها ، فإن اتفق أن قدر الله تعالى بقية الأسباب وقعت الإصابة ، وإن لم يقدر أخطأ ، ويكون ذلك كتخمين الإنسان في أن السماء تمطر اليوم ، مهما رأى الغيم يجتمع وينبعث من الجبال فيتحرّك ظنه بذلك ، وربما يحمى النهار بالشمس ويذهب الغيم ، وربما يكون بخلافه ، ومجرد الغيم ليس كافياً في مجىء المطر وبقية الأسباب لاتدرى ، وكذلك تخمين الملاح أن السفينة تسلم اعتماداً على ما ألفه من العادة فى الرياح ولتلك الرياح أسباب خفية هو لا يطلع عليها ، فتارة يصيب في تخمينه وتارة يخطى ، ولهذه العلة يمنع القول عن النجوم أيضاً. وثانتها : أنه لا فائدة فيه ، فأقل أحواله أنه خوض في فضول لا يغى وتضييع العمر الذى هو أنفس بضاعة الإنسان في غير فائدة وذلك غاية الخسران ؛ رسول الله صلى الله عليه وسلم برحل والناس مجتمعون عليه فقال : ما هذا ؟ فقالوا : رجل علامة . فقال : بماذا ؟ قالوا بالشعر وأنساب العرب . فقال : علم لا ينفع وجهل لا يضر (۱) ، وقال صلى الله عليه وسلم د إنما العلم آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة ، فإذن الخوض فى النجوم وما يشبهه اقتحام خطر وخوض فى جهالة من غير مائدة ، فإن ما قدر كائن ، والاحتراز منه غير ممكن ، بخلاف الطب فإن الحاجة ماسة إليه وأكثر أدلته بما يطلع عليه ، وبخلاف التعبير وإن كان تخميناً لأنه جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة ولا خطر فيه ( السبب الثالث ( الخوص فى علم لا يستفيد الخائض فيه فائدة علم ، فهو مذموم في حقه كتعلم دقيق العلوم قبل جليلها ، وخفيها قبل جليها ، وكالبحث عن الأسرار الإلهية ، إذ يطلع الفلاسفة والمتكلمون إليها ولم يستقلوا بها ، ولم يستقل بها وبالوقوف على طرق بعضها إلا الأنبياء والأولياء ، فيجب كف الناس عن البحث
فقد
•
عنها وردهم إلى ما نطق به الشرع ، ففي ذلك مقنع للموفق ، فكم من شخص خاص فى العلوم واستضربها ولولم بخض فيها لكان حاله أحسن فى الدين مما صار اليه ولا ينكر كون العلم ضاراً لبعض الناس كما يضر لحم الطير وأنواع الحلوى اللطيفة بالصى الرضيع ، بل رب شخص ينفعه الجهل ببعض الأمور ، فلقد حكى أن بعض الناس شكا إلى طبيب عقم امرأته وأنها لا تلد ، فجمس الطبيب نبضها وقال : لا حاجة لك إلى دواء الولادة فانك ستموتين إلى
(۱) حديث : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل والاس مجتمعون فقال ما هذا ؟ فقالوا : رجل علامة
أخرجه ابن عبد البر من حديث أبي هريرة وصفه . وفى آخر الحديث « إنما العلم آية محكمة ... إلى آخره
أبي داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو
ا
الحديث
ومده القطعة عند