29
۲۸
الكلام على الإمام أبو حنيفة
فقال : إنى أستحي من الله تعالى أن أطأ تربة فيها نبي الله صلى الله عليه وسلم بحافر دابة فانظر إلى سخائه إذ وهب ذلك دفعة واحدة وإلى توقيره التربة المدينة ويدل على إرادته بالعلم وجه الله تعالى واستحقار للدنيا : ماروى جميع أنه قال دخلت على هرون الرشيد فقال لى : يا أبا عبد الله ينبغى أن تختلف إلينا حتى يسمع صبياننا منك الموطأ قال : فقلت أعز الله مولانا الأمير ، إن هذا العلم منكم خرج فان أنتم أعززتموه عزو إن أنتم أذللتموه ذل والعلم يؤتى ولا يأتى ، فقال : صدقت ، اخرجوا إلى المسجد حتى تسمعوا مع الناس
وروی
وأما أبو حنيفة رحمه الله تعالى ملقد كان أيضا عابدا زاهدا ، بالله تعالى ، خائها منه ، مريدا وجه الله تعالى بعلمه ، فأما كونه عابدا فيعرف بما روى عن ابن المبارك أنه قال : كان أبو حنيفة رحمه الله له مروءة وكثرة صلاة . حماد بن أبي سليمان أنه كان يحيى الليل كله . وروى أنه كان يحيى نصف الليل فمر يوما في طريق فأشار إليه إنسان وهو يمشى فقال لآخر : هذا هو الدى يحيى الليل كله ، فلم يزل بعد ذلك يحيى الليل كله وقال : أنا أستحي من الله سبحانه أن أوصف بما ليس فى من عبادته . وأما زهده فقد روى عن الربيع بن عاصم قال : أرسلني يزيد بن عمر بن هبيرة فقدمت بأبي حنيفة عليه ، فأراده أن يكون حاكما على بيت المال فأبى ، فضربه عشرين سوطا . فانظر كيف هرب من الولاية واحتمل العذاب ! قال الحكم بن هشام الثقفى : حدثت بالشام حديثا في أبي حنيفة أنه كان من أعظم الناس أمانة وأراده السلطان على أن يتولى مفاتيح خزائنه أو يضرب ظهره فاختار عذا بهم له على عذاب الله تعالى . وروى أنه ذكر أبو حنيفة عند ابن المبارك ، فقال : أتذكرون رجلا عرضت عليه الدنيا بحذافيرها ففر منها . وروى عن محمد بن شجاع عن بعض أصحابه أنه قيل لأبى حنيفة : قد أمر لك أمير المؤمنين أبو جعفر المنصور بعشرة آلاف درهم . قال : فما رضى أبو حنيفة ، قال : علما كان اليوم الذي توقع أن يؤتى بالمال فيه صلى الصبح ثم تغشى بثوبه فلم يتكلم ، لحاء رسول الحسن بن قحطبة بالمال ، فدخل عليه ، فلم يكلمه ، فقال بعض من حضر : ما يكلمنا إلا بالكلمة بعد الكلمة ، أى هذه عادته . فقال : ضعوا المال فى هذا الجراب في زاوية البيت ، ثم أوصى أبو حنيفة بعد ذلك بمتاع بيته وقال لابنه : إذا مت مت ودفنتمونى فخذ هذه البدرة واذهب بها إلى الحسن ابن قحطبة فقل له خذ وديمتك التي أودعتها أبا حنيفة . قال ابنه : ففعلت ذلك ، فقال الحسن : رحمة الله على أبيك فلقد كان شحيحا على دينه . وروى أنه دعى إلى ولاية القضاء فقال : أنا لا أصلح لهذا ، فقيل له : لم ؟ فقال : إن كنت صادقا فما أصلح لها ، وإن كنت كاذبا فالكاذب لا يصلح للقضاء . وأما علمه بطريق الآخرة وطريق أمور الدين ومعرفته بالله عز وجل فيدل عليه شدة خوفه من الله تعالى وزهده في الدنيا ، وقد قال ابن جريج : قد بلغنى عن كوفيكم هذا النعمان بن ثابت أنه شديد الخوف الله تعالى . وقال شريك النخمي : كان أبو حنيفة طويل الصمت دائم الفكر قليل المحادثة للناس ، فهذا من أوضح الأمارات على العلم الباطنى والاشتغال بمهمات الدين ، فمن أوتى الصمت والزهد فقد أوتى العلم كله ، فهذه نبذة من أحوال الأئمة الثلاثة
وأما الإمام أحمد بن حنبل وسفيان الثورى رحمهما الله تعالى فأتباعهما أقل من أتباع هؤلاء ، وسفيان أقل أتباعا من أحمد ، ولكن اشتهارهما بالورع والزهد أظهر ، وجميع هذا الكتاب مشحون بحكايات أفعالها وأقوالها فلا حاجة إلى التفصيل الآن ، فانظر الآن فى غير هؤلاء الأئمة الثلاثة وتأمل أن هذه الأحوال والأقوال والأفعال في الإعراض عن الدنيا والتجرد الله عز وجل هل يثمرها مجرد العلم بفروع الفقه من معرفة السلم والإجارة والظهار والإيلاء واللمعان ، أو يشعرها علم آخر أعلى وأشرف منه ، وانظر إلى الذين ادعوا الاقتداء هؤلاء أصدقوا في دعواهم أم لا