28
العلم المحمود والمذموم
۲۷
ما صليت صلاة منذ أربعين سنة إلا وأنا أدعو فيها للشافعى لما فتح الله عز وجل عليه من العلم ووفقه للسدادفيه ولنقتصر على هذه النبذة من أحواله فان ذلك خارج عن الحصر ، وأكثر هذه المناقب نقلناه من الكتاب الذي صنفه الشيخ نصر بن إبراهيم المقدسى رحمه الله تعالى في مناقب الشافعي رضي الله عنه وعن جميع المسلمين .
وأما الإمام مالك رضى الله عنه فانه كان أيضا متحليا بهذه الخصال الخمس، فانه قيل له : ما تقول يامالك في طلب العلم ؟ فقال : حسن جميل ولكن انظر إلى الذى يلزمك من حين تصبح إلى حين تمسى فالزمه ، وكان رحمه الله تعالى في تعظيم علم الدين مبالغا ، حتى كان إذا أراد أن يحدث توضاً وجلس على صدر فراشه وسرح لحيته واستعمل الطيب وتمكن من الجلوس على وقار وهيبة ثم حدث ، فقيل له فى ذلك فقال : أحب أن أعظم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال مالك : العلم نور يجعله الله حيث يشاء وليس بكثرة الرواية، وهذا الاحترام والتوقيريدل على قوة معرفته بجلال الله تعالى . وأما إرادته وجه الله تعالى بالعلم فيدل عليه قوله : الجدال في الدين ليس بشيء . ويدل عليه قول الشافعي رحمه الله : إلى شهدت مالكا وقد سئل عن ثمان وأربعين مسئلة فقال في اثنتين وثلاثين منها : لا أدرى . ومن يرد غير وجه الله تعالى بعلمه فلا تسمح نفسه بأن يقر على نفسه بأنه لا يدرى ، ولذلك قال الشافعى رضى الله عنه : إذا ذكر العلماء فمالك النجم الثاقب ، وما أحد أمن على من مالك . وروى أن أبا جعفر المنصور منعه من رواية الحديث في طلاق المسكره ثم دس عليه من يسأله ، فروى على ملأ من الناس : ليس على مستكره طلاق ، فضربه بالسياط ، ولم يترك رواية الحديث . وقال مالك رحمه الله : ما كان رجل صادقا في حديثه ولا يكذب إلا متع بعقله ولم يصبه مع الهرم آفة ولا خرف. وأما زهده في الدنيا فيدل عليه ما روى أن المهدى أمير المؤمنين سأله فقال له : هل لك من دار ؟ فقال : لا ولكن أحدثك : سمعت ربيعة بن أبي عبد الرحمن يقول : نسب المره داره ، وسأله الرشيد : هل لك دار ؟ فقال : لا ، فأعطاه ثلاثة آلاف دينار وقال : اشتر بها دارا فأخذها ولم ينفقها ، فلما أراد الرشيد الشخوص قال لمالك رحمه الله : ينبغى أن تخرج معنا فاني عزمت على أن أحمل الناس على الموطأ كما حمل عثمان رضي الله عنه الناس على القرآن ، فقال له : أما حمل الناس على الموطأ فليس إليه سبيل ، لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم افترقوا بعده فى الأمصار فحدثوا ، فعند كل أهل مصر علم وقد قال صلى الله عليه وسلم : اختلاف أمتى رحمة (۱) ، وأما الخروج معك فلا سبيل إليه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون (۲) وقال عليه الصلاة والسلام : المدينة تنفى خبثها كما ينفى الكير خبث الحديد (٢) ، وهذه د تا زير كم كما هي إن شئتم فخذوها و إن شئتم فدعوها ، يعنى أنك إنما تكلفنى مفارقة المدينة لما أصطنعته إلى فلا أوثر الدنيا على مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهكذا كان زهد مالك فى الدنيا. ولما حملت إليه الأموال الكثيرة من أطراف الدنيا لانتشار عليه وأصحابه كان يفرقها في وجوه الخير ودل سخاؤه على زهده وقلة حبه للدنيا وليس الزهد فقد المال : وإنما الزهد فراغ القلب عنه ولقد كان سليمان عليه السلام فى ملكه من الزهاد . ويدل على احتقاره للدنيا ما روى عن الشافعى رحمه الله أنه قال : رأيت على باب مالك كراعا من أفراس خراسان ويقال مصر ما رأيت أحسن منه فقلت لمالك رحمه الله : ما أحسنه فقال : هو هدية منى إليك يا أبا عبد الله ، فقلت : دع لنفسك منها دابة تركبها
(۲)
(۱) حديث ( اختلاف أمتي رحمة » ذكره البيهقي في رسالته الأشعرية تعليقاً وأسنده في المدخل من حديث ابن عباس بلفظ اختلاف أصحابي لكم رحمة ، وإسناده ضعيف (۲) حديث « المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون » متفق عليه من حديث سفيان ابن أبي زهير (۳) حديث و المدينة تنفى خبثها . . الحديث » متفق عليه من حديث أبي .
هريرة