27
العلم المحمود والمذموم
.
إذ حكم الأولين والآخرين مودعة فيهما . وأما كونه عالما بأسرار القلب وعلوم الآخرة فتعرفه من الحكم المأثورة عنه ، روى أنه سئل عن الرياء فقال على البديهة : الرياء فتنة عقدها الهوى حيال أبصار قلوب العلماء فنظروا إليها بسوء اختيار النفوس فأحبطت أعمالهم . وقال الشافعي رحمه الله تعالى : إذا أنت خفت على عملك العجب فانظر رضا من تطلب ؟ وفى أى ثواب ترغب ؟ ومن أى عقاب ترهب ؟ وأى عافية تشكر ؟ وأى بلاء تذكر ؟ فإنك إذا تفكرت في واحد من هذه الخصال صغر فى عينك عملك ، فانظر كيف ذكر حقيقة الرياء وعلاج العجب وهما من كبار آفات القلب ! وقال الشافعى رضى الله عنه : من لم يصن نفسه لم ينفعه عليه . وقال رحمه الله : من أطاع الله تعالى بالعلم نفعه سره . وقال : ما من أحد إلا له محب ومبغض ، فإذا كان كذلك فكن مع أهل طاعة الله عز وجل ، وروى أن عبد القاهر بن عبد العزيز كان رجلا صالحا ورعا وكان يسأل الشافعى رضى الله عنه عن مسائل في الورع والشافعي رحمه الله يقبل عليه لورعه ، وقال للشافعي يوما : أيهما أفضل الصبر أو المحنة أو التمكين ، فقال الشافعي رحمه الله : التمكين درجة الأنبياء ، ولا يكون التمكين إلا بعد المحنة ، فإذا امتحن صبر و إذا صبر مكن ؛ ألا ترى أن الله عز وجل امتحن إبراهيم عليه السلام ثم مكنه ، وامتحن موسى عليه السلام ثم مكنه ، وامتحن أيوب عليه السلام ثم مكنه ، وامتحن سليمان عليه السلام ثم مكنه وآتاه ملكا ، والتمكين أفضل الدرجات، قال الله عز وجل ( وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ) وأيوب عليه السلام بعد المحنة العظيمة مكن ، قال الله تعالى ( وآتيناه أهله ومثلهم معهم - الآية ) فهذا الكلام من الشافعي رحمه الله يدل على تبحره فى أسرار القرآن واطلاعه على مقامات السائرين إلى الله تعالى من الأنبياء والأولياء ، وكل ذلك من علوم الآخرة. وقيل للشافعي رحمه الله : متى يكون الرجل عالما ؟ قال : إذا تحقق في علم الدين فعلمه وتعرض لسائر العلوم فنظر فيهما فاته فعند ذلك يكون عالما ، فإنه قيل لجالينوس إنك تأمر للداء الواحد بالأدوية الكثيرة المجمعة ! فقال : إنما المقصود منها واحد وإنما يجعل معه غيره لتسكن حدته لأن الإفراد قاتل ، فهذا وأمثاله مما لا يحصى يدل على علو رتبته في معرفة الله تعالى وعلوم الآخرة . وأما إرادته بالفقه والمناظرة فيه وجه الله تعالى : فيدل عليه ماروى عنه قال : وددت أن الناس انتفعوا بهذا العلم وما نسب إلى شيء منه ، فانظر كيف اطلع على آفة العلم وطلب الاسم له وكيف كان منزه القلب عن الالتفات إليه مجرد النية فيه لوحه الله تعالى . وقال الشافعى رضى الله عنه . ما ناظرت أحداً قط فأحببت أن يخطى" . وقال : ما كلمت احداً قط إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويمان ويكون عليه رعاية من الله تعالى وحفظ ، وما كلمت أحداً قط وأنا أبالى أن يبين الله الحق على لسانى أو على لسانه : وقال : ما أوردت الحق والحجة على أحد فقبلها منى إلا هبته واعتقدت محبته ، ولا كابرنى أحد على الحق ودائع الحجة إلا سقط من عينى ورفضته ، فهذه العلامات هي التي تدل على إرادة الله تعالى بالفقه والمناظرة ، فانظار كيف تابعه الناس من جملة هذه الخصال الخمس على خصلة واحدة فقط ، ثم كيف خالفوه فيها أيضا ، ولهذا قال أبو ثور رحمه الله : مارأيت ولا رأى الراءون مثل الشافعي رحمه الله تعالى . وقال أحمد بن حنبل رضي الله عنه : ماصليت صلاة منذ أربعين سنة إلا وأنا أدعو للشافعي رحمه الله تعالى ، فانظر إلى إنصاف الداعي وإلى درجة المدعوله وقس به الأفران والأمثال من العلماء فى هذه الأعصار ومابينهم من المشاحنة والبغضاء لتعلم تقصيرهم فى دعوى الاقتداء بهؤلاء ، ولكثرة دعائه له قال له ابنه : أى رجل كان الشافعي حتى تدعو له كل هذا الدعاء ؟ فقال أحمد : يابني كان الشافعي رحمه الله تعالى كالشمس للدنيا وكالعافية للناس ، فانظر هل لهذين من خلف وكان أحمد رحمه الله يقول : مامس أحد بيده محبرة إلا وللشافعي رحمه الله فى حنقه منة . وقال يحيى بن سعيد القطان :