← المكتبة ▭▭ صفحتان
إحياء علوم الدين - الغزالي - ط المعرفة
محمد بن محمد الغزالي أبو حامد الرقاق والآداب والأذكار
A− A+
26
الكلام على الإمام الشافعي إلى حرمته وتوقيره الله تعالى ، ودلالة ذلك على عليه بجلال الله سبحانه . وسئل الشافعي رضي الله عنه عن مسئلة فسكت ، فقيل له : ألا تجيب رحمك الله ؟ فقال : حتى أدرى الفضل في سكوتى أو في جوابي ؟ فانظر في مراقبته للسانه مع أنه أشد الأعضاء تسلطا على الفقهاء وأعصاها عن الضبط والقهر ، وبه يستبين أنه كان لا يتكلم ولا يسكت لا لنبيل الفضل وطلب الثواب . وقال أحمد بن يحيى بن الوزير : خرج الشافعي رحمه الله تعالى يوما من سوق القناديل هتبعناه فإذا رجل يسفه على رجل من أهل العلم ، فالتفت الشاهدى إلينا وقال : نزهوا أسماءكم عن استماع الحناكما تنزهون ألسنتكم عن النطق به ، فإن المستمع شريك القائل ، وإن السفيه لينظر إلى أخبث شيء في إناثه فيحرص أن يفرغه في أوعيتكم ولو ردت كلمة السفيه لسعد رادها كما شقى بها قائلها . وقال الشافعى رضى الله عنه : كتب حكيم إلى حكيم : قد أوتيت علما فلا تدنس عليك بظلمة الذنوب فتبقى في الظلمة يوم يسمى أهل العلم بنور عليهم . وأما زهده رضى الله عنه فقد قال الشافعى رحمه الله : من ادعى أنه جمع بين حب الدنيا وحب خالقها في قلبه فقد كذب . وقال الحميدى : خرج الشافعي رحمه الله إلى اليمين مع بعض الولاة فانصرف إلى مكة بعشرة آلاف درهم فضرب له خباء في موضع خارجا من مكة فكان الناس يأتونه ، فما برح من موضعه ذلك حتى فرقها كلها . وخرج من الحمام مرة فأعطى الحمامى مالا كثيرا . وسقط سوطه من يده مرة فرفعه إنسان إليه فأعطاه جزاء عليه حمسين دينارا . وسخاوة الشافعي رحمه الله أشهر من أن تحكى ورأس الزهد السخاء ، لأن من أحب شيئا أمسكه ولم يفارق المال إلا من صغرت الدنيا في عينه وهو معنى الزهد . ويدل على قوة زهده وشدة خوفه من الله تعالى واشتغال همته بالآخرة : ماروى أنه روى سفيان بن عيينة حديثا في الرقائق مغشى على الشافعى فقيل له : قد مات ، فقال : ان مات فقد مات أفضل زمانه . وماروى عبد الله بن محمد البلوى قال : كنت أنا وعمر بن نباتة جلوسا تتذاكر العباد والزهاد فقال لى عمر : ما رأيت أورع ولا أفصح من محمد بن إدريس الشافعى رضى الله عنه : خرجت أنا وهو والحارث بن ابيد إلى الصفا وكان الحارث تلميذ الصالح المرى فافتتح يقرأ وكان حسن الصوت، فقرأ هذه الآية عليه هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون ) فرأيت الشافعى رحمه الله وقد تغير لونه واقشعر جلده واضطرب اضطرابا شديدا وخر مغشيا عليه فلما أفاق جعل يقول : أعوذ بك من مقام الكاذبين وإعراض الغافلين ، اللهم لك خضعت قلوب العارفين وذلت لك رقاب المشتاقين ، إلى هب لى جودك وجللنى بسترك واعف عن تقصيرى بكرم وجهك . قال : ثم مشى وانصرفنا فلما دخلت بغداد وكان هو بالعراق فقعدت على الشط أتوضأ للصلاة إذ مربى رجل فقال لى : يا غلام أحسن وضوءك أحسن الله إليك فى الدنيا والآخرة ، فالتفت فإذا أنا برجل يتبعه جماعة ، فأسرعت في وضوئي وجعلت أقفو أثره ، فالتفت إلى فقال : هل لك من حاجة ؟ فقلت : نعم ، تعلمنى مما علمك الله شيئا ، فقال لى اعلم أن من صدق الله نجا ، ومن أشفق على دينه سلم من الردى ، ومن زهد في الدنيا قرت عيناه مما يراه من ثواب الله تعالى غدا ، أفلا أزيدك ؟ قلت : نعم . قال من كان فيه ثلاث خصال فقد استكمل الإيمان : من أمر بالمعروف والتمر ونهى عن المنكر وانتهى ، وحافظ على حدود الله تعالى ، ألا أزيدك ؟ قلت بلى ، : فقال : كن في الدنيا زاهدا وفى الآخرة راغبا واصدق الله تعالى في جميع أمورك تنج مع الناجين ، ثم مضى ، فسألت : من هذا ؟ فقالوا : هو الشافعى فانظر إلى سقوطه مغشيا عليه ثم إلى وعظه كيف يدل ذلك على زهده وغاية خوفه ! ولا يحصل هذا الخوف والزهد إلا من معرفة الله عز وجل فإنه ) إنما يخشى الله من عباده العلماء ) ولم يستفد الشافعي رحمه الله هذا الخوف والزهد من علم كتاب السلم والإجارة وسائر كتب الفقه ، بل هو من علوم الآخرة المستخرجة من القرآن والاخبار - إحياء علوم الدين - ١)