25
٢٤
الكلام على الأئمة الخمسة
سنة نبيه ولم يطلب به رياء ولا سمعة ، فأولئك أهل رضوان الله تعالى وفضلهم عند الله لعملهم بعلمهم ولإرادتهم وجه الله سبحانه بفتواهم و نظر هم ، فإن كل علم عمل فإنه فعل مكتسب، وليس كل عمل علما ، والطبيب يقدر على التقرب إلى الله تعالى تعلمه فيكون مثابا على عليه من حيث إنه عامل الله سبحانه وتعالى به ، والسلطان يتوسط بين الخلق الله فيكون مرضيا عند الله سبحانه ومثابا ، لا من حيث إنه متكفل بعلم الدين ، بل من حيث هو متقلد بعمل يقصد به التقرب إلى الله عز وجل بعلمه . وأقسام ما يتقرب به إلى الله تعالى ثلاثة : علم مجرد وهو علم المكاشفة ، و عمل مجرد وهو كعدل السلطان مثلا وضبطه للناس ، ومركب من عمل وعلم وهو علم طريق الآخرة فإن صاحبه العلماء والعمال جميعا ، فانظر إلى نفسك أتكون يوم القيامة فى حزب علماء الله ، وأعمال الله تعالى ، أو فى حزبيهما فتضرب لسهمك مع كل فريق منهما ، فهذا أهم عليك من التقليد لمحرد الاشتهار كما قيل :
من
خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل
على أنا سننقل من سيرة فقهاء السلف ما تعلم به أن الذين انتحلوا مذاهبهم طلبوهم وأنهم من أشد خصماتهم يوم القيامة فإنهم ما قصدوا بالعلم إلاوجه الله تعالى ، وقد شوهد من أحوالهم ماهو من علامات علماء الآخرة كما سيأتي بيانه في باب علامات علماء الآخرة ، فإنهم ما كانوا متجردين لعلم الفقه ، بل كانوا مشتغلين بعلم القلوب ومراقبين لها ، ولكن صرفهم عن التدريس والتصنيف فيه ماصرف الصحابة عن التصنيف والتدريس فى الفقه ، مع أنهم كانوا فقهاء مستقلين بعلم الفتوى والصوارف والدواعى متيقنة ، ولا حاجة إلى ذكرها .
من
ـ
الله
ونحن الآن نذكر من أحوال فقهاء الإسلام ما تعلم به أن ما ذكرناه ليس طعنا فيهم بل هو طعن فيمن أظهر الاقتداء بهم منتحلا مذاههم وهو مخالف لهم فى أعمالهم وسيرهم ، فالفقهاء الذين هم زعماء الفقه وقادة الخلق - أعنى الذين كثر أتباعهم فى المذاهب خمسة : الشافعى ، ومالك ، وأحمدس حنبل ، وأبو حنيفة ، وسفيان الثورى رحمهم تعالى . وكل واحد منهم كان عابدا وزاهدا وعالما بعلوم الآخرة وفقيها في مصالح الخلق في الدنيا ومر بدا بفقهه وجه الله تعالى ، فهذه حمس حصال اتبعهم فقهاء العصر من جملتها على خصلة واحدة وهى التشمير والمبالغة في تفاريع الفقه ، لأن الخصال الأربع لا تصلح إلا للآخرة ، وهذه الخصلة الواحدة تصلح الدنيا والآخرة ، إن أريد بها الآخرة قل صلاحها للدنيا شمروا لها وادعوا بها مسابهة أولئك الأئمة، وهيهات أن تقاس الملائكة بالحدادين ، النورد الآن أحوالهم ما يدل على هذه الخصال الأربع ، فإن معرفتهم بالفقه ظاهرة . أما الإمام الشافعي رحمه الله تعالى فيدل على أنه كان عابدا : ماروى أنه كان يقسم الليل ثلاثة أجزاء : ثلثا للعلم ، وثلثا للعبادة . وثلثا للنوم . قال الربيع : كان الشافعي رحمه الله يختم القرآن فى رمضان ستين مرة كل ذلك في الصلاة. وكان البويطي أحد أصحابه يحتم القرآن في رمضان في كل يوم مرة . وقال الحسن الكرابيسي : بت مع الشافعي غير ليلة فكان يصلى نحوا من ثلث الليل فما رأيته يزيد على خمسين آية ، فإذا أكثر فمائة آية ، وكان لا يمر بآية رحمة إلا سأل الله لنفسه ولجميع المسلمين والمؤمنين ، ولا يمر بآية عذاب إلا تعوذ فيها وسأل النجاة لنفسه وللمؤمنين ، وكأنما جمع له الرجاء والخوف معا ، فانظر كيف يدل اقتصاره على خمسين آية على تبحره في أسرار القرآن وتدبره فيها وقال الشافعي رحمه الله : ما شبعت مند ست عشرة سنة لأن الشبع يثقل المدن ويقسى القلب ويزيل الفطنة ويجلب اليوم ويضعف صاحبه عن العيادة ، فانظر إلى حكته فى ذكر آفات الشبع ، ثم في جده في العبادة ، إذ طرح الشبع لاجلها ، ورأس التعبد تقليل الطعام . وقال الشافعي رحمه الله : ما حلفت بالله تعالى لا صادقا ولا كاذبا قط ، فانظر