24
العلم المحمود والمذموم
المتكلم
العاب وصلاحه لم يكن من جملة علماء الدين أصلا ، وليس عند من الدين إلا العقيدة التي شاركه فيها سائر العوام وهى من جملة أعمال ظاهر القلب واللسان، وإنما يتميز عن العامى بصنعة المجادلة والحراسة ، فأما معرفة الله تعالى وصفاته وأفعاله وجميع ما أشرنا إليه في علم المكاشفة فلا يحصل من علم الكلام ، بل يكاد أن يكون الكلام حجابا عليه ومانعا عنه ، وإنما الوصول إليه بالمجاهدة التي جعلها الله سبحانه مقدمة للهداية حيث قال تعالى (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ) . فإن قلت : فقد رددت حد المتكلم إلى حراسة عقيدة العوام عن تشويش المبتدعة ، كما أن حد البذرقة حراسة أقمشة الحجيج عن نهب العرب ، ورددت حد الفقيه إلى حفظ القانون الذي به يكف السلطان شر بعض أهل العدوان عن بعض ، وهاتان رتبتان نازلتان بالإضافة إلى علم الدين ، وعلماء الأمة المشهورون بالفضل هم الفقهاء والمتكلمون وهم أفضل الخلق عند الله تعالى ، فكيف تنزل درجاتهم إلى هذه المنزلة السافلة بالإضافة إلى علم الدين ؟ فاعلم أن من عرف الحتى بالرجال حار في متاهات الضلال ، فاعرف الحق تعرف أهله إن كنت سالكا طريق الحق ، وإن قنعت بالتقليد والنظر إلى ما اشتهر من درجات الفضل بين الناس فلا تغفل عن الصحابة وعلى منصبهم ، فقد أجمع الذين عرضت بذكر هم على تقدمهم وأنهم لا يدرك في الدين شأوهم ولا يشق غبارهم ولم يكن تقدمهم بالكلام والفقه بل تعلم الآخرة وسلوك طريقها ، ومافضل أبو بكر رضى الله عنه الناس بكثرة صيام ولا صلاة ولا بكثرة رواية ولافتوى ولا كلام ، ولكن بشىء وقر في صدره (۱) كما شهد له
سيد المرسلين صلى الله تعالى عليه وسلم ؛ فلا يكن حرصك في طلب ذلك السر فهو الجوهر النفيس والدر المكنون
ودع
.
منهم
عنك ما تطابق أكثر الناس عليه وعلى تفخيمه وتعظيمه لاسباب ودواع يطول تفصيلها ، فلقد قبض رسوا، الله صلى الله عليه وسلم عن آلاف من الصحابة رضى الله عنهم كلهم علماء بالله ، أثنى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن فيهم أحد يحسن صنعة الكلام ، ولا نصب نفسه للفتيا أحد إلا بضعة عشر رجلا ، ولقد كان ابن عمر رضى الله عنهما منهم ، وكان إذا سئل عن الفتيا يقول للسائل : اذهب إلى فلان الأمير الذي تقلد أمور الناس ، وضعها في عنقه إشارة إلى أن الفتيا فى القضايا والاحكام من توابع الولاية والسلطة ، ولما مات عمر رضي الله عنه قال ابن مسعود : مات تسعة أعشار العلم ، فقيل له : أتقول ذلك وفينا جلة الصحابة ؟ فقال : لم أرد علم الفتيا والاحكام إنما أريد العلم بالله تعالى، أفترى أنه أراد صنعة الكلام والجدل ، فما بالك لا تحرص على معرفة ذلك العلم الذي مات بموت عمر تسعة أعباره ، وهو الذى سد باب الكلام والجدل وضرب ضبيعا بالدرة لما أورد عليه سؤالا في تعارض آيتين فى كتاب الله ، وهجره وأمر الناس بهجره وأما قولك إن المشهورين من العلماء هم الفقهاء والمتكلمون ، فاعلم أن ما ينال به الفضل عند الله شيء وما ينال به الشهرة عند الناس شيء آخر ؛ فلقد كان شهرة أبى بكر الصديق رضى الله عنه بالخلافة وكان فضله بالسر الذى وقر فى قلبه وكان شهرة عمر رضى الله عنه بالسياسة وكان فضله بالعلم بالله الذي مات تسعة أعشاره بموته ، وبقصده التقرب إلى الله عز وجل في ولايته وعدله وشفقته على خلقه ، وهو أمر باطن فى سره، فأما سائر أفعاله الظاهرة فيتصور صدورها من طالب الجاه والاسم والسمعة والراغب فى الشهرة ، فتكون الشهرة فيما هو المهلك هو المهلك ، والفضل فيها هوسر لا يطلع عليه أحد ، فالفقهاء والمتكلمون مثل الخلفاء والقضاة والعلماء ، وقد انقسموا ، فمنهم من أراد الله سبحانه بعلمه وفتو أ. وذبه عن الحديث ، أخرجه الترمذى الحكيم في النوادر من
(۱) حدیث « ما فضل أبو بكر الناس بكثرة صلاة ولا كثرة صيام قول أبي بكر بن عبد الله المزني ولم أجده مرفوعا
...
(