← المكتبة ▭▭ صفحتان
إحياء علوم الدين - الغزالي - ط المعرفة
محمد بن محمد الغزالي أبو حامد الرقاق والآداب والأذكار
A− A+
23
يمنع ۲۲ العلم المحمود والمذموم (1)، ولذلك قيل : علماء الظاهر زينة الأرض والملك ، وعلماء الباطن زينة السماء والملكوت . وقال الجنيد رحمه الله ينهم قال لى السرى شيخى يوماً: إذا قمت من عندى فى تجالس ؟ قلت : المحاسب ، فقال : نعم خد من علمه وأدنه ، ودع عنك تشقيقه الكلام ورده على المتكلمين ، ثم لما وليت سمعته يقول : جعلك الله صاحب حديث صوفيا ولا جعلك صيفياً صاحب حديث: أشار إلى أن من حصل الحديث والعلم ثم تصوف أفلح ، ومن تصوف قبل العلم خاطر بنفسه ، فإن قلت : فلم لم تورد في أقسام العلوم : الكلام والفلسفة ، وتبين أنهما مدمومان أو محمودان ؟ فاعلم أن حاصل ما يشتمل عليه علم الكلام من لادلة التي ينتفع بها ، فالقرآن والأخبار مشتملة عليه ، وما خرج عنهما فهو إما مجادلة مذمومة وهى من البدع كما سيأتي بيانه ، وإما مشاعبة بالتعلتى بمناقضات الفرق لها ، وتطويل بنتمل لمقالات التي أكثرها ترهات وهذيانات تزدريها الطباع وتمجها الاسماع، وبعضها حوض هيما لا يتعلق بالدين ولم يكن شيء منه مألوفا في العصر الأول وكان الخوض فيه بالكلية من البدع ، ولكن تغير الآن حكمه إذ حدثت البدعة الصارفة عن مقتضى القرآن والسنة ، ونبعت جماعة لفقهوا لها شبهاً ورتبوا فيها كلاماً مؤلفاً ، فصار ذلك المحدور بحكم الضرورة مأذونا فيه، بل صار من فروض الكفايات وهو القدر الذي يقابل به المبتدع إذا قصد المدعوة إلى البدعة، وذلك إلى حد محدود - سندكره في الباب الذي يلى هذا إن شاء الله تعالى ـ وأما الفلسفة فليست علماً برأسها بل هى أربعة أجزاء (أحدها) الهندسة والحساب ، وهما مباحان كما سبق ولا عنهما إلا من يحاف عليه أن يتجاوز بهما إلى علوم مذمومة ؛ فإن أكثر المدارسين لها قد خرجوا منهما إلى البدع ، فيضان الضعيف عنهما - لا لعينهما ـ كما يصان عصبى عن شاطئ النهر خيفة عليه من الوقوع في النهر وكما يصان حديث العهد بالإسلام عن مخالطة الكفار خوفاً عليه مع أن القوى لا يندب إلى مخالطتهم (الثاني) المنطق وهو بحث عن وجه الدليل وشروطه ، ووحه لحد وشروطه ، وهما داخلان في علم الكلام (الثالث) الإلهيات ، بحث عن ذات الله سبحانه وتعالى وصفاته ؛ وهو داخل فى الكلام أيضاً ، والفلاسفة لم ينفردوا فيها بنمط آخر من العلم ، بل انفردوا بمذاهب : بعضها كفر وبعضها بدعة ، وكما أن الاعتزال ليس علماً برأسه بل أصحابه طائفة من المتكلمين وأهل البحث والنظر انفردوا بمذاهن باطلة ، فكذلك الفلاسفة (والرابع) الطبيعيات ، وبعضها مخالف للشرع والدين والحق ، فهو جهل وليس بعلم حتى نورده في أقسام العلوم ، وبعضها بحث عن صفات الاجسام وخواصها وكيفية إستحالتها وتغيرها، وهو شبيه بنظر الاطباء ؛ إلا أن الطبيب ينظر فى بدن الإنسان على الخصوص من حيث يمرض ويصح ، وهم ينظرون فى جميع الاجسام من حيث تتغير وتتحرك ؛ ولكن للطب فضل عليه وهو أنه محتاج إليه . وأما علومهم فى الطبيعيات فلا حاجة إليها فإذن الكلام صار من جملة الصاعات الواجبة على الكفاية حراسة لقلوب العوام عن تخيلات المبتدعة ، وإنما حدث ذلك بحدوث البدع كما حدثت حاجة الإنسان إلى استئجار البدرقة في طريق الحج بحدوث ظلم العرب وقطعهم الطريق ؛ ولو ترك العرب عدوانهم لم يكن استئجار الحراس من شروط طريق الحج ؛ فلذلك لو ترك المبتدع هذيانه لما افتقر إلى الزيادة على ماعهد في عصر الصحابة رضى الله عنهم ؛ فليعلم المتكلم حده من الدين وأن موقعه منه موقع الحارس فى طريق الحج ؛ فإذا تجرد الحارس للحراسة لم يكن من جملة الحاج، والمتكلم إذا تجرد للمناظرة والمدافعة ولم يسلك طريق الآخرة ولم يشتغل بتعهد وهو ( (۱) حديث : قيل له كيف نفعل إذا جاء أمر لم نجده في كتاب الله ولا سنة رسوله ؟ ... الحديث . رواه الطبراني من حديث ابن عباس وفيه عبد الله بن كيان ضعفه الجمهور .